السبت، 13 سبتمبر 2014

الإسلام والعقلانية -8- .



 لكن طبعا و رغم هذا الموقف النبوي الواضح في تأكيده على ذاتيه  الدين ورفضه الصريح تقديم الأدلة على نبوءته بالمعجزات ، إلا أن هذا الموقف يعود لان يتم نقضه من طرف المسلمين ، حيث نجد وفي عصور لاحقه أن المسلمين سيقومون بتلفيق بعض المعجزات للنبي لتأكيد نبوءته  على غرار قضية انشقاق القمر ، وهو ما يوضح لنا أن منشأ الزعم بعقلانية الدين لم يكن طرحا إسلاميا بالأساس فالنبي رفض أي محاولة من هذا القبيل ؛ لكنه كان طرحا من المسلمين المتأخرين الذين حاولوا ترقيع هذه الثغرة بنظرهم في جدار الإسلام ، و بالنسبة لهذا الأمر (أي لما اعتبر المسلمون فكرة أن النبي بلا معجزات هي ثغرة )  فهذا بنظرنا لسببين :

الأول : أنه و بالنسبة للعقل القديم (عقل العوام الأميين عموما ) فلا يمكن الاعتماد سوى على المعجزة كدليل نبوءة ، فالعقل البسيط عموما لا يستطيع فهم المحاجات المنطقية المعقدة للتأكد من أصالة الوحي  ،  وعليه كانت فكرة تلفيق معجزة هو السبيل الوحيد لدعم الإسلام ، فتصور دين بلا معجزات لإقناع الناس البسطاء هي فكرة صعبة  ( وإلى الآن تؤدي هذه المعجزات المفبركة دورها في تثبيت اليقين لدى البسطاء من المسلمين ) .

الثاني : هو تحول الإسلام من دين إلى أيدلوجيا تتبناها الدولة الإسلامية ، فالدولة الإسلامية وبعد تبنيها للإسلام كايدولوجيا توسعية تستخدمها لتبرير غزو الدول الأخرى بما يعرف بـ "الجهاد لنشر كلمة الحق" ، فقد كان لابد لها من جعل هذا الدين صالح للمنافحة لقهر أفكار الخصوم ، ومنه ومن هذا المنطلق فقد تم وبمعية الدول الإسلامية تغيير طبيعة الدين الإسلامي من "دين ذاتي يقر بكل شفافية انه بلا معجزات " إلى" دين يدعي العقلانية و الكمال المطلق"  وهو ما سيقلب الإسلام رأسا على عقب ، ففيما كان الإسلام يقول (لكم دينكم ولي دين) ، وانه (لا أكراه في الدين ) أو حتى كالتصريح الخطير للنبي والذي يقر فيه لقريش بصراحة أنه ربما يكون على خطأ حين يقول في سورة سبأ الآية 24  (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) عاد الإسلام وبراعية الدولة الإسلامية ليتحول إلى حقيقة مطلقة لا تقبل الجدال أو حتى الاعتراض بتبريرات كأية السيف  و غيرها من الآيات التي لا تزال تثير الجدل إلى اليوم  ، وهو ما يوضح لنا أن المرحلة الأولى من الإسلام حقيقة قد كان واضحا فيها بشده ذاتية الاعتقاد ، وانه والى تلك الفترة فقد كان الإيمان جميعه إيمان تصديقيا 1، في المقابل فالفترة التي عرفت المزاعم بعقلانية الإسلام وكماله ، هي فترة التي نشأة فيها الدولة الإسلامية ، والتي تحول الإسلام فيها من الذاتية لمزاعم الموضوعية ؛ ومن الدين المتقبل للآخر إلى المعادي للمعادي له ، وعموما هو تحول سيدفع ثمنه المسملون غاليا لأنه أول ما سيؤثر سيؤثر على  المسلمين أنفسهم ، حيث أن تحويل الإسلام إلى أيدلوجيا تدعي الكمال أدى به إلى الصدام مع المسلمين أنفسهم ، حيث وعلى خلاف المسلم المصدق طوعا كما في الحقبة الأولى ، سيخرج المسلم المولود في بيئة مسلمة باحثا عن إجابات ، وفي ظل أن الإسلام يدعي الكمال فيما هو لا يحوزه ، فهذا سيخلق بالضرورة صدام بينه وبين المسلمين ، وهو سيؤدي لاحقا لازمة التكفير التي ستظهر مباشرة بعد بدا المسلمين في محاكمة الإسلام عقلانيا .

 
___________________________________

1 يمكن القول أن خير مثال على هذا الأمر هو الصحابي أبو بكر الصديق ، صديق النبي الأول و رفيق دربه ، حيث أن شخصية أبو بكر تمثل النموذج للمؤمن على أساس التصديق ، لا المؤمن على أساس الاقتناع  ، فمثلا في حادثة الإسراء و المعراج  فأبو بكر وكما جاء في السيرة  قد صدق كلام النبي بلا نقاش في تلك القضية  ، وحيث كان بالنسبة له أن قول النبي لشيء هو الدلالة على صدقه ، ومنه كان أن لقبه المسلمون بالصديق ، وهي مرتبة متقدمة من مراتب أهل الجنة تدعى مرتبة الصديقين ( أي الذين يصدقون بلا سؤال)    .

يتبع ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق