الاثنين، 30 يونيو 2014

كيف تنجح الذكورية ؟ .


 
ظاهريا قد تبدو لنا المركزية الذكورية من حيث المضمون فكرة تافهة ، فأي منطق هذا الذي يجعل الرجل أعلى من المرأة هكذا بالمطلق فقط لأنه يمتلك عضوا تناسليا ذكريا ، فهل يصلح العضو التناسلي كمعيار للتفرقة بين البشر على أساس الكفاءة ؟ ... طبعا لا ! ، لكن و مع هذا فوجب القول أن هذه المركزية الذكورية ورغم هزالها من حيث المضمون ، إلا أنها تملك آليات جبارة لفرض نفسها ، فالذكورية ليست في الأصل حالة فكرية تفرض نفسها بالحجة و الدليل المنطقي ، بل هي مجرد آليات استطاعة أن تبقي الذكورية مستمرة رغم سخفتها  .



إن مصدر قوة الذكورية ببساطة هو في قوة الآليات التي تملك ، فهذه الآليات هي التي تفرض الذكورية كأمر واقع ، بل و في كثير من الأحيان أن تجعلها فكرا منطقيا رغم سخافتها ، فمثلا و ليصح زعم " أن اذكي امرأة هي أغبى من أغبى رجل" (وهو زعم يمثل عماد الفكر الذكوري) ، فالمجتمع الذكوري قام باختراع هذه المرأة الغبية ليصح ، فقد تم الأمر عن طريق سياسة تجهيل المرأة على مدى قرون ، فمنذ القديم والمجتمعات الذكورية تمارس عملية التجهيل بحق المرأة ، وطبعا وعلى مدى الزمن من سياسة التجهيل ، كان بلا شك أن أنحذر المستوى العقلي للنساء عموما ، وهنا خرج علينا الذكوريّون بالقول "انظروا إلى الحال المرأة المزري فهي أدنى من الرجل" (وهذا صحيح من حيث الواقع) لكننا طبعا نعلم أن هذه الحقيقة مبنية على واقع مزيف ، فهم زوروا المرأة ليستطيعوا دعم نظريتهم   .



إذن و من هنا فنحن نفهم لماذا تبدو ظاهريا المركزية الذكورية صحيحة رغم سخافتها ، فالذكورية هي من تتولى اليوم خلق البيئة التي تبدو فيها المرأة ضعيفة ، لكن طبعا وفي واقع مغاير فيه عادلة ومساواة بين المرأة و الرجل فهذا كله سيتغير ، وستتسقط مثل تلك الفرضيات بسهولة ، لكن عموما وجب التنبيه أن هذا لن يتم إلا بالتضحية  و النضال لأنه وفي الجهة المقابلة  فالذكورية تعمل و بدأب شديد لابقاء الوضع على حاله ، فمثلا لماذا تكلف حركة طالبان نفسها عناء تفجير مدارس الفتيات في أفغانستان و أن تجعل عدوها الأول هو طفلة صغيرة تحلم بالدراسة اسمهما ملالا إلا أنه الدأب الذكوري في الدفاع عن سيادة الذكورية ، فالواقع أن ملالا و مثيلاتها برغبتهن بالتعليم هن التهديد الأكبر لسيادة المجتمع الذكوري لهذا فالمجتمعات الذكورية جلها ضد تعليم المرأة ، و هي و إذا قبلت بالتعليم للمراة فهي تتحايل عليه لتفرغه من محتواه عن طريق جعله تعليما لا يؤدي ألا لمزيد من التأكيد على المركزية ، فالمراة في المجتمع الذكوري وإذا تعلمت فهي تلقن ومنذ الصغر على عبادة الرجال و غرس ثقافة الخضوع له ، في مقابل حضها على تحقير ذاتها و امتهانها (مثال أن المرأة عورة ) و يتم هذا طبعا في إطار من سياسة ممنهجة مثل سياسة الفصل بين الجنسين في التعليم ، فمثل هذه السياسة تعمد إلى تعليم الفتاة عكس ما يتم تعلمه للرجل ، ففيما يربى الذكر على القيم السادية من قوة وعنف وبطش ، فالمرأة المرأة على قيم مازوشية لتقبل الذل والهوان ، وهكذا يخلق المجتمع الذكوري و بإسم التعليم و إحترام حقوق المرأة ، نساء مسوخا لا يفدن بشي إلا أرضاء المركزية الذكورية ، و التأكيد على صحة مزاعمها الباطلة  عن المرأة  .


ومن هنا وكما نلاحظ  فالمركزية الذكورية ليست مسالة قوة في الفكرة آو في الحجية ، بل هي مجموعة من الآليات تتضافر لحرمان المرأة من حقوقها  ، لهذا فإذا أرادت المرأة الثورة على المركزية الذكرية فأول الأشياء التي عليها هي تفكيك تلك الآليات ، وهي بان تتعلم لترتقي، و أن تقضي على مبادئ العورة و الفتنة ، و المرأة الشيطان ، لأن تلك المبادئ هي ما أنهاها إلى هذا الحضيض  .



شكرا .


الجمعة، 27 يونيو 2014

ماذا جرى للمرأة الشرقية ؟.



 حين نتابع الأخبار التي تنشر يوميا عن حال المرأة البائس و المزري في بلداننا ، فحقيقة لا يسعنا إلا أن نتساءل "ماذا جرى للمرأة الشرقية ، وما الذي أودى بها لكل هذا الهوان ؟ " أوليس من الغريب اليوم انه و في هذا الشرق الذي كان مهد الحضارات ، والذي عرف في تاريخيه العديد من الملكات و المفكرات على مدى الزمن ، أن ينحدر به الحال أن تناقش فيه مسالة قيادة المرأة للسيارة من عدمها ؟! أوليس من الغريب أنه وفيما كانت في هذا الشرق النساء هن من تؤسسن الممالك وتدرن الدول ، أن تصبح النساء فيه لا تملكن حتى حق الخروج  من البيت وحيدات ؟! أوليس من الغريب أنه وفيما عرف هذا الشرق في القديم نساء كحتشبسوت و زنوبيا ، وهيبثيا و أليسار ، انه في المستقبل لم يعد يُعرِّف المرأة إلا على أنها عورة !؟ .



في الواقع مهما ما يمكن أن يقال كجواب على هذا السؤال ، لكن المؤكد أن هذا الشرق بلا شك قد تنكر للمرأة ؟ .



إن الشرق الأوسط ورغم تاريخه المجيد في تكريم المرأة ، إلا أنه اليوم وللأسف ينقلب على كل هذا الميراث انقلابا جذريا بحيث لم يُبقنا إلا حيارى نتساءل : ماذا جرى ليتحول هذا الشرق من تكريمه في القديم للمرأة ، إلى بغضها كل هذا البغض الآن ؟ فنحن نعلم و على الأقل أن الثقافة الأصلية للشرق الأوسط لم تكن في أي يوم من الأيام ثقافة معادية للمرأة ، فمنذ بدء الوعي الإنساني و المرأة فيه معززة مكرمة إلى حدود القرون الميلادية الأولى و التي ضلت فيها النساء تحضين بمكانه مرموقة (الملكة الآمازيغية ديهيا مثلا ) فما جرى إذن ليتغير المزاج وينقلب الشرق من هذا التكريم والتبجيل للمرأة ، إلى احتقارها وجعلها مجرد عورة ؟ .

شكرا .
 

الأربعاء، 25 يونيو 2014

هل سيعيد التاريخ نفسه في الجزائر .

إن التاريخ لا يعيد نفسه ؛ ولكن الأغبياء يكررون أخطاءهم !


  حين نتابع ما يقوم به السيد عبد المجيد مناصرة من تحركات ضد المادة 31 مكرر من مسودة التعديلات الدستورية المزمع إقرارها ، و التصريحات التي يقوم بإطلاقها هناك وهناك باسم الإسلام و الكفر، فحقيقة لا يسعنا إلا أن نسال" هل الجزائر مقبلة على تكرار أخطاءها التي ارتكبتها قبل عقود لتعيش نفس المصير المؤلم الذي عاشته في العشرية ؟ " فنحن ولو رجعنا للسنوات التي أسست للعشرية السوداء وتحديدا ذلك الحراك الذي قاده الإسلاميون سنة 1982 ضد الدولة باسم المرأة و الشريعة ، لأمكننا القول انه نفس السيناريو يتم تكراره اليوم على يد السيد مناصرة وأزلامه ، فكما خرج شيوخ الفيس سنة 82 لتحذير الدولة من أي نوع من أنواع منح المرأة حقوقها 1الإنسانية ، فها نحن نعيش نفس الأمر حيث يقوم السيد مناصرة  (وهو وريث خطاب الفيس و عراب الدفاع عنه اليوم ) بتكرار نفس ذلك الخطاب الذي قيل حينها لمنع المرأة الجزائرية من حقوقها الشرعية تحث ذريعة الدين و الهوية الخ . ، وهو ما يوحي لنا بأن النتائج سوف لن تكون إلا كما جرى من قبل من إرهاب ودمار ، لأن نفس المقدمات تعني بالضرورة نفس النتائج ، وفي ظل أن تلك الفترة قد عرفت ظهور حركات الإرهاب الإسلامي  2 التي أودت بالجزائر ، فغالبا فالجزائر اليوم مقبلة على نفسه السيناريو ، خاصة و انه وحتى بالنسبة للسلطة كطرف مضاد ، فهي تكرر نفس الأخطاء التي وقعت فيها سابقا ، فلا فرق اليوم بين التسامح البوتفليقي مع الإرهابيين باسم  المصالحة ، و بين التساهل من  الشاذلي معهم في الثمانينات ، فالرئيس بوتفليقة يعتقد أنهم قوم يمكن التصالح معهم ، و الشاذلي سابقا اعتقد أنهم قوم يمكن إدارتهم، لكن طبعا و كما تبت تاريخيا فالإسلاميون لا يمكن أن يتوبوا عن أفكارهم الإرهابية و لا أن يغيروها ، وعليه فقد كان أن الشاذلي انتهى به المطاف لتدمير الجزائر رغم سعي الجيش الحثيث لحماية البلاد بعده ، فهل نتوقع أن الجزائر سينتهي بها الحال إلى نفس ما جرى سابقا ، أم أن الشعب الجزائري وقيادته سيتفطنون لهذا المصير المشؤوم الذي نخطو بخطى حثيثة إليه ، و يمنعوا الأغبياء من أن يجعلونا نكرر التاريخ  ؟ .
 ________________________________________
 1 ) بعض البنود من الاعتراضات التي رفعها شيوخ الفيس "لاحقا" للرئيس الشاذلي سنة 1982 كأحمد سحنون ، وعبسي مدني ، وعبد اللطيف سلطاني  .

  • وجود عناصر في مختلف أجهزة الدولة معادية لديننا، متورطة في خدمة عدونا الأساسي، وعملية تنفيذ مخططاته الماكرة، الأمر الذي ساعد على إشاعة الفاحشة وضياع المهام والمسؤوليات على الدولة وغيرها..
  •   تعيين النساء والمشبوهين في سلك القضاء والشرطة وغياب حرية القضاء وعدم المساواة في الأحكام لهو هدم للعدالة التي لا أمن ولا استقرار بدونها..
  •  تعطيل حكم الله الذي كان نتيجة حتمية للغزو الاستعماري واحتلاله للبلاد الذي لم يعد له مبرر اليوم بعد عشرين سنة من الإستقلال فلا بد من إقامة العدل بين الناس بتطبيق شرع الله.
  •  تفكيك الأسرة والعمل على انحلالها وإرهاقها بالمعيشة الضنكة كانت سياسة بدأتها  فرنسا وبقيت تمارس حتى اليوم بالإضافة إلى محاولة وضعها على غير الشريعة الإسلامية تحت شعار نظام الأسرة.
  • الإختلاط المفروض في المؤسسات التربوية والإدارية والعمالية انعكست نتائجه السيئة على المردود التربوي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي حتى صار يعطي مؤشرا خطيرا على سرعة الإنحدار الخلقي والحضاري.
  •  تسوية مفهوم الثقافة وحصره في المهرجانات الماجنة اللاأخلاقية عرقل النظام التربوي وحال دون توصله إلى إبراز المواهب والنبوغ والكفاءات التي تفتقر إليها البلاد للتخلص من الوضعية الثقافية المفروضة علينا .
  • إبعاد التربية الإسلامية وتفريغ الثقافة من المضمون الإسلامي زاد في تعميق الهوة واستمراريتها..
  • الحملة الإعلامية المسعورة للإعلام الأجنبي والوطني لاستعداء الدولة على الدعوة والصحوة التي تهدد مصالح الدوائر الإستعمارية في بلادنا .
  •   إطلاق سراح الذين اعتقلوا دفاعا عن أنفسهم ودينهم وكرامتهم .
  •  عقاب كل من يتعدى على كرامة أمتنا وعقيدتها وشريعتها وأخلاقها وفق الحدود الشرعية الإسلامية.

 2 ) تعتبر تلك الفترة أول فترة تعرف ظهور الأعمال الإرهابية في الجزائر، حيث قام الإسلامي الإرهابي مصطفي باويعلي ، (و هو الأب الروحي لكل التنظيمات الإسلامية لاحقا كالفيس ) بتأسيس أول تنظيم إسلامي مسلح مارس الإرهاب في الجزائر ، على غرار الهجوم على ثكنات الجيش في مدينة بوداواو بولاية بومرداس سنة 1982 أو الهجوم على بعض المؤسسات التابعة للجيش أيضا سنة 1985 .  أو  محاولة مهاجمته لكلية الشرطة في مدينة الصومعة بولاية البليدة سنة 1986 .

شكرا .


السبت، 21 يونيو 2014

عن الدولة الدينية في الإسلام .



    من الفرضيات الخاطئة التي أشاعها الإسلاميون في السنوات الأخيرة حول مسالة الدين و الدولة في الإسلام ، هي الفرضية التي تقول أنه في الإسلام لا يوجد دولة دينية ، مدللين على هذا  الرأي بفكرة أنه لا يوجد في الإسلام سلطة دينية تمارس الحكم .. وهذا صحيح إلى حد ما ؛ لكن الواقع أن مفهوم الدولة الدينية لا يعني حكم رجال الدين المباشر فقط ، بل يشمل الأمر أيضا وجود سلطة دينية غير مباشرة على غرار سلطة التصور الديني التي تمارس دور الرقيب على أداء الدولة ، فالدولة الدينية لا تعني فقط حكم رجال الدين المباشر ، بل وتعني أيضا حكمهم من خلف الستار كالهيئات الدينية التي يتم الرجوع إليها في كل صغيرة وكبيرة من أمور الحكم ، وعليه فلا يمكن القول أنه وفي ظل غياب السلطة الدينية المباشرة في الإسلام أن الدولة الدينية غائبة ، فالواقع أن وجود هيئات للإفتاء و انحياز الدولة نحو إلزامية أن لا تخالف القوانين في الدولة ما تنص عليه الشريعة يعني أن لدينا دولا دينية بكل ما تعني الكلمة من معنى  ، ومنه فالحديث من الإسلاميين عن غياب مفهوم الدولة الدينية في الإسلام السني  ( في الإسلام السني لأن الشيعي يعرف سلطة رجل الدين المباشرة بما يعرف بولاية الفقه )  لغياب الحكم المباشر لرجال الدين فهو  مجرد أمر تضليلي ، لأنه في التاريخ الإسلامي فكل الدول التي قامت هي دول دينية ، وهذا لكونها تحوي تشريعات لا تخضع للمصلحة العامة ورأي الشعب الذي يؤسس للدولة المدنية ، بل هي تخضع للتصور الديني الذي يقيم الدولة على مسالة الدين ، ومنه فالحديث الذي لا ينفك من الإسلاميين عن الدولة المدنية بمرجعية دينية ، فهو لا يعدوا كونه تعلاب لفظي لان الدولة الدينية ، هذي ذاتها الدولة ذات المرجعية الدينية .

شكرا
 

الجمعة، 20 يونيو 2014

المرأة الجزائرية بين المواطنة و نصف المواطنة.

مناصرة لحظة الإعلان عن رفضه لمقترح المادة 31 مكرر

( ردا على عودة السيد عبد المجيد مناصرة للحديث حول مسالة المرأة و المساواة في مسودة تعديلات الدستور الجزائري ، ومحاولته لتعطيلها  )
 مهما يكن المبرر الذي يستند إليه الدين في لامساواته بين المرأة و الرجل كما يرى "البعض"، فإنه وفي إطار الدولة الجزائرية فالمفروض أن المرأة هي مواطن له كامل الحقوق وعليه كامل الواجبات ، حيث ووفق الدستور "تستهدف المؤسسات الوطنية ضمان مساواة كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات بإزالة العقبات التي تعوق تفتح شخصية الإنسان، وتحول دون مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية." (المادة 31 ) و منه فالمرأة في الجزائر ووفق الدستور تعتبر مساوية للرجل في المسائل القانونية و المعيشية والتي يمكن اعتبار التعديل الدستوري المزمع إجراءه و الخاص بالمادة 31 مكرر الذي ينص على أن (تعمل الدولة على تجسيد المناصفة بين الرجل والمرأة كغاية قصوى، وكعامل لتحقيق ترقية المرأة، وازدهار الأسرة، وتلاحم المجتمع وتطوره." )  ما هو إلا محاولة للاستجابة لهذا الأمر و تكميله ، خاصة في إطار المادة السابقة التي كانت تقول  (و تعمل الدولة على ترقية الحقوق السياسية للمرأة بتوسيع حظوظ تمثيلها في المجالس المنتخبة و يحدد قانون عضوي كيفيات تطبيق هذه المادة)  وعليه و بالنظر لما تقدم فما خرج علينا به السيد مناصرة من تصريحات ضد نص هذه المادة بالدعوة إلى "ضرورة إلغاء النص الغامض حول المناصفة بين الرجل و المرأة في القضايا الأسرية و الإجتماعية"باعتباره – كما قال – “مخالفا للإسلام” ، فهذا يعتبر اعتداء صارخ في حق المرأة ، وفي حق الدستور ، فكيف يصح لحزب معتمد رسميا أن يبني برنامجه السياسي على أساس التمييز على أساس الجنسي و الدستور صراحة ينص أن (كل المواطنين سواسية أمام القانون. ولا يمكن أن يُتذرّع بأي تمييز يعود سببه إلى المولد، أو العرق، أو الجنس، أو الرأي، أو أي شرط أو ظرف آخر، شخصي أو اجتماعي)  (المادة29 ) ، بل و أن نراه يضيف لهذا مسالة حشر الدين في السياسية و هو الذي يمنعه الدستور أيضا بنص المادة 42 التي تقول  ( لا يجوز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جنسي أو مهني أو جهوي. ولا يجوز للأحزاب السياسية اللجوء إلى الدعاية الحزبية التي تقوم على العناصر المبينة في الفقرة السابقة  )  فهل يستقيم أن نرى حزبا يعمل في إطار شرعي وقانوني بينما برنامجه هو هدم للشرعية وللقانون ؟ فأين الدولة و أين القانون من هذا ، ثم أين دور المرأة الجزائرية هنا في الدفاع عن حقوقها وهي المسالة الأهم ، فهل المرأة الجزائرية وبسكوتها هذا تؤيد هذا الكلام ؟ أم هي ربما تعتمد على رئيس الجمهورية ليكون نصيرا لها في هذا الأمر ، لأنه و على الأقل إذا كانت المرأة عموما راضية بهذا (وهذا مستبعد بنظري ) فلتعلم أن هذا الأمر إذا ، فهو  ليس سوى البداية لمشوار طويل من التجاوزات قد تعيدها لعصر الحريم ؛ أما إذا كان الأمر هو اعتمادا على السيد رئيس الجمهورية ، فبلا شك فالرئيس لن يكون هو الضمانة لحقوق المرأة إذا لم تكن المرأة نفسها هي الضمان ، فالرئيس زائل في النهاية ، لهذا فقد وجب على المرأة الجزائرية الخروج للاعتراض على هذا الاعتداء بحقها اليوم قبل الغد ، أو هي بلا شك ستسلم نفسها للمناصرة و زمرته ليعيدوها لعصر الحريم و العورة و النصف إنسان ، وهو الحال الذي ينتظر كل سيدة تستهزئ بهذه التحركات التي تبدو طفيفة فكما يقال فعظيم النار من اصغر الشرر .


شكرا .




الأربعاء، 18 يونيو 2014

هل خذل الله الجزائريين ؟ .



  من يتابع اليوم الكلام الذي يدور بعد خسارة المنتخب الجزائري ضد نظيره البلجيكي في تصفيات كأس العالم ، بلا شك سيرى أن كل أصابع الاتهام توجه الآن اتجاه الناخب الوطني وحيد حاليلوزيتش ، حيث يجمع الخبراء (إن لم نقل الشارع الجزائري كله ) على أن بعض خيارات المدرب بخصوص اللاعبين لم تكن موفقه ، وعليه كان أن المنتخب الوطني هزم أمام نظيره البلجيكي رغم التفوق الذي حصل عليه في أول المباراة ، لكن وللمفارقة (وهو الأمر الذي يُغيّب) هو انه وقبل دخول المنتخب الوطني للمباراة لم نكن نرى أي من هذا الإجماع نحو أهمية دور الناخب الوطني في صياغة الفوز أو الخسارة ، فما كان يجري في الواقع هو عبارة عن حمى جماعية من التضرع و الصلاة لله والدعاء له لينصر المنتخب الجزائري المسلم في المونديال ، وهو ما يوحي أن الله هو الذي كان سيصنع النتيجة في المباراة لا المدرب الوطني ، فمثلا رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم محمد روراوة وبدل أن نراه يهتم بتحضيرات اللاعبين وطبيعة الخطط التي وضعت لهم من قبل المدرب ، راح يدعوا لتوفير مصاحف للاعبين في غرفهم ليتسنى لهم الدخول في الجو الإيماني قبل المباراة ، أما على مستوى الوفد الفني المرافق للمنتخب ، والذي من مهمته رعاية الجانب النفسي و البدني للاعبين ، فقد سرت شائعات بأخذه للمشعوذ أبو "مسلم باللحمر" معهم ليكون راقي المنتخب (وغالبا هي صحيحة ) ، أما وعلى المستوى الشعبي فقد رأينا بعض الأئمة كـ "علي عية"يدعون الجزائريين لان يدعوا الله ليفوز المنتخب الوطني ، بل أن اللاعبين أنفسهم وبعد الهدف الأول سجدوا لله لشكره عن الهدف ، وهنا طبعا لا بد أن نطرح السؤال البديهي بعد كل هذا وهو " إذا كان الله هو الذي يمنح الفوز و الخسارة ، فلماذا اللوم يقع بعد الهزيمة على الناخب الوطني ؟ و إذا لم يكن الله هو السبب فلماذا تتم مناجاته أصلا  ؟" .

بالنسبة لهذا السؤال و الجواب عليه فالواقع أن هذا السؤال من أكثر الأسئلة إرباكا لنا نحن المسلمين ، لأننا مثلا وحال السؤال هل يكفي التضرع لله كوسيلة للنجاح ؟ ، فنحن نقول بلا شك أن هذا لا يكفي ، فالمؤكد انه بدون الأسباب فنصرة الله لن تكون ، لكن في الوقت نفسه لو سألنا "ماذا لو اعتمدنا على الأسباب وحدها بدون دعوة الله كما فعل البلجيكيون مثلا ؟ " فالجواب يكون أيضا بالنفي ، و القول أننا المفروض نقوم بالأسباب و نسأل الله التوفيق ، لكن طبعا وكما تلاحظون فهنا لدينا تناقض فاضح في هذا الجواب ، لأنه مثلا إذا كان لا نصر إلا بأخذ الأسباب ، فما حاجتنا للدعاء أصلا ؟! فالدعاء المفروض يكون من اجل فائدة لا كحالة عبثية ؛ ثم إذا كان الدعاء واجبا للتوفيق فقط ؟  فلماذا لم يفد الدعاء الجزائريين بأي شيء مقابل التخطيط المحكم كما فعل البلجيكيون ، فهل الدعاء مجرد إضافة خرافية على سبب موضوعي هو "اتخاذ الأسباب" ؟ أم  أن الله في الواقع قد خذل الجزائريين ؟ .

 

في الواقع ومما تقدم فالجواب هو طبعا "لا" فالظاهر أن قصة الدعاء والتضرع ما هي إلا إضافة خرافية من العصر البدائي تم إضافتها على مسالة الأخذ بالأسباب ، فكما كان البدائيون يتوسلون النصر من الآلهة قبل خوض الحروب ، لا يزال يفعل المسلمون المثل حيث يطلبون النصر من الله ، لكن طبعا و كما نعم فالنصر لا يكون بالتضرع لكائنات خرافية أو أمور ليس له علاقة ، بل يكون بالأسباب ولا شيء غير الأسباب ، وهو تماما الأمر الذي يشرح لما لماذا خسر المنتخب الجزائري ضد البلجيكيين ؟ ، فالأمر ليس أن الله خذلهم أو انه تخلى عنهم ، بل الأمر أنهم لم يقيموا الأسباب من الأساس ، وعليه فقد كان أنهم هزموا ؛ بل و يمكن القول هنا أنهم سيظلون يهزمون في كل مرة ضد البلجيكيين مهما ما دعوا الله أن ينصرهم ، لأنه ببساطة لا إرادة لله إلا ما أرادت الأسباب ، وهو طبعا الأمر الذي يشرح لنا لماذا ذهب الجزائريين بعد الخسارة للإلقاء اللوم نحو المدرب ، لا لوم الله ، فواضح هنا أنهم وبطريقة غير مباشرة أقروا أن المشكلة من الأساس كانت في عدم أخذهم بالأسباب ، لا في قضية أنهم لم يتذرعوا أكثر ، لكن ومع هذا ، و رغم هذا الاعتراف غير المباشر اتجاه الأمر إلا أنه لا يبدو انه يمكن للمسلمين عموما ملاحظة هذه المغالطة ، فرغم أن الفوز والخسارة تحكمها الأسباب لا غير ، إلا أنهم سيستمرون في مطاره الأشباح بتوسل الفوز  بالدعاء و التضرع ، وما يزيد الطين بله أن هذا السؤال لا ينفك يواجههم في كل مرة لكن بدون بروز أي قدرة على الإجابة عليه أو التعامل معه بمنطقية ، فالمسلمون دائما وحال التحضر للمعارك يفعلون هذا بالتضرع إلى الله ، لكنهم وحال يهزمون لا نراهم يعلقون خيبتهم عليه ، بل هم يعلقون الخيبة على أنفسهم ، و طبعا هذا خلل خطير في التعامل مع تحديات الحياة ، فإذا كانت الدنيا تقوم بالأسباب فقط ، فإذن ليس على المسلمين إلا الاهتمام  بالأسباب فقط ، أما إذا كانت الدنيا تقوم على التضرع لله لمنحنهم التوفيق ، فقد كان الأحرى أن يعود  اللوم  على الله الذي خذلهم  ، لكن طبعا ومادمنا نعلم انه لا يمكن لأي مسلم أن يلوم الله على أي شيء ، فقد كان الأحرى إذن و من البداية إخراج الله من الموضوع لان الحياة قائمة على الأسباب ، فالله لا ينصر ولا يخذل إلا بما أعد الناس العدة ، وعليه كان أن انتصر البلجيكيون و سينتصرون في كل مرة يلاعبون الجزائريين لأنهم اعدوا العدة ، في المقابل فالجزائريون كانوا سيهزمون ، وسيهزمون مهما تذرعوا لله طلبا للنصر ، فالنصر يأتي من الأسباب لا من التوسل   .

 

شكرا .

 

الأحد، 15 يونيو 2014

في حاجتنا لداعش و بوكو-حرام و مثيلاتها .



 بالنسبة للإنسان الواعي كما الشعب الواعي ، فإن تجارب الآخرين تكفي عنده ليتعلم منها ، فالشعب الواعي أو الإنسان الواعي لديه القدرة ليرى عواقب الأمور من تجارب الآخرين ، لكن بالنسبة للإنسان الجاهل ، أو للشعب المتخلف ، فإن هذا الأمر غير ممكن ، فهو يحتاج إلى أن يعيش التجارب المرة ليتعلم ( أي أن يتعلم بالطريقة الصعبة بالتجربة ) و عليه ومن هذا الباب الذي نتحدث فيه عن خطر الفاشية الدينية و الحكم بالشريعة وخلافه ، فربما الحل ليعلم الناس خطرها وعواقبها ليس تماما بالتوعية و محاولة التنوير بالكلمة ، فهذا الأمر غالبا لا يطال سوى فئات قليلة لديها الوعي ، بل الضروري ربما هو و ليتعلموا أن يذوقوا المرارات على غرار داعش و الإخوان وغيرها من الجماعات الإسلامية ، فهذه الطريقة هي الأمثل لمثل شعوبنا الـمُجَهَّلة لشرح خطورة الأمر لهم ، إن لم نقل أنها ربما تكون الوحيدة ، فمثلا لطالما كتب فرج فودة للمصريين وحذرهم من خطورة الإخوان و التيارات الأصولية ، لكن عبثا أن أستمع إليه احد رغم انه دفع حياته ثمنا لهذا ، في المقابل فسنة واحدة من حكم الإخوان كانت كافية لتغير أراء كثيرين في ما يسمى التيارات الإسلامية من النقيض إلى النقيض ، وربما لو استمر الحال أطول وتم تطبيق الشريعة على المصريين كما نادت تلك التيارات ، لكان الحال ربما امتد ليس لرفض التيارات الإسلامية فقط ، بل ورفض الحكم الديني أصلا الممثل في المادة الثانية  .

ومنه كما نرى فالواقع أن ما يحمي الشريعة و الإسلاميين من الناس اليوم هو جهل الناس بخباياهم لا أكثر ، وعليه كان للإسلاميين توجيه اللوم بأن التخلف و الانحطاط ناتج عن عدم تطبيق الشريعة وباقي الكلام الذي يروجوه ، لكن بالتأكيد لو تغير الحال ، و رأى الناس هذه الشريعة تطبق على الأرض ، لكانوا بلا شك كفروا بها كما كفر المصريون و الإيرانيون و السودانيون ..الخ فبعد التجربة تختلف الظروف حتى للجهلة ، وعليه فلنأمل إذن أن تتكاثر التنظيمات من قبيل داعش و بوكو-حرام  وغيرها و تحكم قبضتها على المسلمين ، فهكذا و حين توغل السكاكين في الرقاب و ينحدر الحال بالبلاد إلى العصور الهمجية ، فحينها فقط سيعلم حتى الجهلة من الناس حقيقة هذا المنهج الإجرامي الذي يتخيلونه ورديا وتكون نهاية الإظلام .

شكرا .

الجمعة، 13 يونيو 2014

الجزائر و بوادر الصوملة .



  حين يصل الأمر أن يتجرأ البعض على محاولة فرض ما يرونه قانونا على الآخرين في دولة ما ، وحين يصل الأمر أن تباركه بعض الصحف في هذه الدولة جهارا نهارا  بلا رادع كما جرى مع قصة "الشواطئ الإسلامية" التي خرجت علينا بهذا جريدة الشروق بالقول   (بادر شباب الأحياء الشعبية الساحلية بالعاصمة على غرار "باب الواد، بولوغين، الرايس حميدو، الحمامات، باينام، عين البنيان.." إلى تشكيل لجان قصد فرض "الحشمة" والاحترام في الشواطئ، بالتعاون مع لجان المساجد والأئمة الذين بادروا إلى تنظيم حملة صيفية أطلقوا عليها شعار "شواطئ إسلامية بقيم جزائرية" جندوا لها الخطب والمنابر لتطهير شواطئ العاصمة من مظاهر العري والمعاكسات  ) فهنا وجب التنويه أن تلك الدولة بلا شك مقبلة نحو الصوملة ، فنفس الطريق الميليشياوي الذي نراه اليوم في الجزائر بداعي فرض الحشمة ، هو نفسه ما انتهى بالصومال إلى رحم المحاكم الإسلامية ، فالبداية تكون مع الحشمة ولا تنتهي طبعا إلا مع  إقامة الإمارة الإسلامية الإرهابية  وهو مسك الختام لأي جماعة إسلامية .



هذه إذن باختصار هي النهاية التي ستُقبل عليها الجزائر إذا ظل الحال كما هو عليه ، فإذا ضلت الدولة غائبة فمن المؤكد أن الأمر سيتمر ، وعموما وجب التنويه أن الأمر لم يبدأ أصلا إلا بسبب غياب الدولة عن دورها ، فأول بدية لظاهرة الميلشيات الإسلامية في الجزائر  (ما بعد العشرية ) بدأت في الواقع بحي البنيان حين قامت ميليشيات صحوة المساجد بزعامة زرواي حمداش بهجمة لتطهير الحي من محلات الخمور ، وقد تصادف الأمر حينها مع الربيع العربي ، الذي جعل الأمن ولكي لا يستفز الناس يضحي بحرية المواطنين في سبيل إرضاء تلك الجماعة ، وطبعا وفي ظل حالة الرعب التي ظهرت بها الدولة فقد تلك الجماعات بخطوات تصعيدية في تحدي للقانون على غرار الهجمة على الملاهي الليلية في تيشي بإسم القضاء على الدعارة ، وهو تصرف مدان جملة وتفصيلا ، لان المواطن ليس له الحق في فرض القانون ، ولاحقا في غرداية و محاولة الهجوم على محلات الخمور ، والذي بادرت الدولة سريعا لقفلها  خوفا منهم ، وإعلان وزير الداخلية دحوا ولد قابلية حينها في خطوة  مخزية  الاستلام الإرادة الميلشيات بالقول أن غرداية ستكون ولاية خالية من الكحول كما عنونت الشروق في صفتحها الأولى (نفس الصحيفة التي تروج لهذه الميلشيات وترعاها ) وهذا طبعا عدى حملات أخرى ضد القانون كالحملة ضد الشيعة ، والذين هم مواطنون لهم كل الحق في حرية العقيدة في بلادهم ، او كحادثة  الهجوم على جسر الحب  في تيلملي ، والتي قادها حمداش علانية .



إذن كل تلك الأمور هي التي أوصلتنا إلى الحالة الراهنة ، فحين  تتحول الدولة إلى دولة رخوة تتهاون في فرض القانون ، فالعناصر الإجرامية ستتشجع لفرض قانونها الخاص ، و طبعا إذا أبدت الدولة انبطاحها لهذا  ( كانبطاحها للسفاح لمدني مزراق واستشاره في وضع دستور للجزائريين الذين ذبحهم ) فبلا شك سيزداد سعارها إتجاه انتهاك القانون ، فما نراه في قضية الشواطئ ربما قليل هو البداية فقط لما يرونه ، والذي هو معلوم للجميع على غرار ما نرى في العراق و الصومال و أفغانستان وغيرها ، لكن ومع هذا وجب القول ان هذا في جانب ما فقط ، فإذا كانت السلطة ستتراخى في مواجهة الإرهاب فإن الشعب لن يرتخي ، لانه في النهاية من صمد في عز ازمة الإرهاب في العشرية وهي الأقسى و الأمر ، فلن تردعه زمرة هامشية مثل هذه .

شكرا .

الثلاثاء، 10 يونيو 2014

الجزائر المجهضة -1-





تنطلق اليوم  وكما هو مفروض أحد أكبر الندوات السياسية في الجزائر منذ الإستقلال ، حيث تجتمع فيها كل الحساسيات السياسية في البلاد لمناقشة الشعار الذي وضعوه وهو ( الانتقال الديمقراطي ،  لكن الحقيقة أنه ومن متابعة كواليس و طبيعة هذه الندوة فلا يمكن القول إلا أنها ندوة مجهضة لجزائر مجهضة ، فالندوة و حين نراها تتحدث عن الانتقال (و الانتقال هو فعل يفيد التغيير كالتغيير من الماضي إلى المستقبل )  فإنها تفعل العكس حين تجمع في ثناياها  كل القوى السياسية الجزائرية الممثلة للماضي  و الغارقة فيه ، فهي ورغم هذا الأمر لا تأتي ولديها قناعة بترك الماضي خلفها لتحاول أن تصنع المستقبل ، بل هي تأتي لتناقش مشاكل الماضي ، بل والانتقام على ما ثم في الماضي .. وهذا طبعا غير مقبول فكيف نصنع المستقبل بأفكار من الماضي ، وهذا عدى طبعا  القوى الماضوية الأخرى المدعوة و التي لا يمكن أن تمثل بالتأكيد أي معنى للتغيير أو للمستقبل .

و أيضا حين تتحدث الندوة عن الديمقراطية ، أو بما يعني السعي نحو دولة حرة أكثر انفتاحا وشفافية و السيادة فيها للشعب ، فإنها تفعل العكس كذلك حيث نجد بين ثنايا الندوة كل المؤشرات التي تفيد بالعكس على غرار استضافة اباطرة الإرهاب و الديكتاتورية الذي صرح أحدهم ذات يوم و عقب انتصار حزبه في الانتخابات التشريعية " أن اليوم هو عرس الديمقراطية ومأتمها "  و الذي لديه كتاب كاملا في نسف الديمقراطية كما سماه (الدمغة القوية في نسف عقيدة الديمقراطية ) وهو طبعا ما يلغي أي معنى أو مبنى لهذا الزعم من كون الندوة تسعى نحو الإنتقال أو نحول الديمقراطية .

لكن ورغم كل هذا  يبقى الأكثر كارثية هي مسالة سبب انعقاد الندوة نفسها والذي من المفروض أن يمثل للجزائريين سبيلا للتخلص مما هو المفروض واقع مزري وبائس ، ليستبدل بواقع ديمقراطي حسن ، فهذه الندوة و في ظل مكوناتها فلا يمكن بأي حال من الأحول توقع أن هذا سيحصل في ظل بنيتها التكوينية القائمة على جمع التناقضات بصيغة التلفيق ، فما يتم إغفاله هنا أن وصفة مثل  هذه (  أي بناء توافق تلفيقي بين المتناقضات السياسية في سبيل تغيير النظام الحاكم  و ترك مسالة التوافق الجوهري لاحقا ) هي وصفة عملية للهلاك الحتمي ، فالمفروض لمن يريد بناء نظام جديد أن يؤسس لقواعد هذا النظام بالتفاهم ، و أن يضع القواعد التي يسير عليها أولا ، ثم بعدها ليذهب نحو التغيير بطريقة أمنة من هواجس الفوضى و التفكك ، لكن من يدع كل التناقضات مختزنة ، ويذهب بإسم التوافق التلفيقي لإسقاط النظام الحافظ للنظام فهذا هو العبث و السير الحتمي نحو الخراب ، وربما من الجيد انه يمكن التدليل على هذا بمثال حي على غرار النموذج المصري ، حين سارت القوى السياسية ( أو بالأحرى الشعب في  إسقاط النظام ) فيما لم تكن هذه القوى اتفقت على شيء لتبني عليه ، وهو ما أدى إلى نشوب الصراعات حول الهوية و طبيعة البلد سريعا بين الفرقاء السياسيين ، وقد كان هذا جليا في حالة كتابة الدستور المصري الذي كتب على يد الأقوى لا يد التفاهم ، ففي ظل أن لا احد اتفق من البداية على مشروع الدولة ، فقد سَهُل للأقوى لاحقا أن يفرض منطقه ، لكون لا يجد من يردعه (  أو إذا عدم الأقوى الذي يفرض سيطرته على غرار ليبيا أن تدخل البلاد في دوامة من الحروب الأهلية لأنه لا يوجد هناك أي تعايش و أي ضمانه لربط الأمور ) وهنا طبعا تتضح خطورة السعي العشوائي نحو إسقاط الأنظمة بدن طرح البديل ،  فما حصل في الحالة المصرية و التي تحاول الندوة تكرارها ، هو انه وبدل أن يكون النظام ضمانة لتبريد رحى الصراعات بين الفرقاء السياسيين إلى حين بناء التوافق ، فقد تركت الأمور لتحل عن طريق ألصراع العبثي  ، وعليه تتحول الدولة إلى ساحة للحروب المفتوحة التي ترهق الشعب ، ويمكن التدليل على عبثية هذا الخيار ، بما لجئ له المصريين في النهاية ، فهم وبعد تلاشي السلطة السياسة الضابطة ووقوعهم في يد العصابات ، لم يجدوا الحل إلا في العودة لدولهم ممثلة في الجيش ، لكون الجيش في الضمانة الوحيدة ضد انقسامات السياسيين وعبثهم ، وضد شبح الدولة الدينية التي خيمت عليه والتي باتت الدولة القمعية تظهر بجانبها كالجنة .

؛ لكن يبقى و مع كل هذا الكلام الذي قلناه في حال الندوة ، والذي يبدو انه منحاز للسلطة (وهو كذلك) إلا أن هناك ما هو أتعس منه وهو حال السلطة الجزائرية نفسها ، فهذه السلطة وبدل أن تبقى محافظة في حدها الأدنى على هيبة الدولة و قواعد النظام و سيادة القانون ليلجئ إليها الموطن هربا من جحيم ما تعده به المعارضة  وتكتفي بهذا الدور ، فهذه السلطة انزلقت مزقا بائسا حين راحت تنبطح للإرهابيين وتتودد لهم  بحثا عن الشرعية و المباركة ، في تصرف مخزي وبائس لا يمكن توقعه في أي سلطة في مثل هذه الظروف ، فإذا كان الشعب يلجئ لدولته للحماية من الإرهاب و الفوضى حينما تشتد الأزمات على غرار ما يتهدد الجزائر ، فكيف والحال في الجزائر أن السلطة هي من توالي الإرهاب و تدعمهم ، وهو ما يضع المواطن الجزائري في خيارين أحلاهما مر ، أو لنقل خيار بين نارين ستحرقانه لا محالة  ؛ نار شبح الفوضى و الخراب الذي تعده به المعارضة ، و نار تقنين الإرهاب و تمكينه  من مفاصل الدولة كما تفعل السلطة ،  و هي في كل الأحوال خيارات لجزائر مجهضة .

.. يتبع ..