الثلاثاء، 8 أبريل 2014

الخليفة و الرداء العجيب .                          

         

   يحكى أنه في قديم الزمان أن خليفة أشتهر بعشقه للثياب الفاخرة و الثمينة ، و أن هذا الخليفة قد زاره ذات يوم رجلان غريبان وعرضا عليه أن يحيكا له أفخر الثياب وأعجبها . ففرح الخليفة بهذا الأمر وقال لهما   : اخبراني عن أفخر وأعجب ثوب بإمكانكما أن تحيكاه لي . فأجاب أحد المحتالين : إن أعجب ثوب يا مولاي يحتاج لصنعه إلى كمية هائلة من خيوط الذهب .. و أن أعجب ما فيه أنه لا يراه سوى المخلصون لك ، أما من يكرهونك فمحال أن يروه ....؟ .


سٌر الخليفة لهذا سرورا عظيما ..كيف لا ؟ و هو سيمتلك ثوبا يكشف له الخونة من الأوفياء من مستشاريه ووزرائه وقادة جيوشه  وشعبه !! فأعطاهما كمية كبيرة من الخيوط الذهبية و أنتظر جهوز الثوب .


 في هذه الأثناء وبينما الخليفة ينتظر ثوبه ، كان المحتالان قد خبئا الذهب الذي أعطاه لهما ، وتظاهرا في تلك الفترة بأنهما بدءا ينسجان قماش الثوب العجيب ، فكانا يحركان نول الحياكة بدقة إلى الإمام والى الخلف وكأنهما منهمكان في عملهما ، فيسمع أهل القصر صوت النول المنتظم . بحيث لم يعد هناك حديث بين الجميع في القصر سوى عن هذا الثوب العجيب  الذي سيحظى به الخليفة ..


- و ذات ليلة أستدعى الخليفة " كبير المستشارين " وطلب منه أن يذهب إلى غرفة الحياكة ليرى الثوب ويخبره عن هذه التحفة القيمة ، ذهب " كبير المستشارين " إلى المعمل فرأى المحتالين يعملان بنشاط وهمة ، لكنه للأسف لم يرى ثوبا .. إلا أنه في اللحظة تذكر أن هذا الثوب عجيب لا يراه إلا الأوفياء للخليفة ، وعليه فقد سكت عن ما يمليه عليه عقله و عاد إلى الخليفة ، وأخبره أنه لم ير قط أجمل من نسيج هذا الثوب الذي سيحتاج لخيوط ذهبية أكثر ليتم صفه.


بعث الخليفة على اثر كلام كبير المستشارين بكمية كبيرة من الخيوط الذهبية مع " رئيس الحرس " وطلب منه أن يسلمها للحائكين ويستعلم منهما متى سينتهيان من حياكة هذا الثوب الجديد . ذهب رئيس الحرس فرأى الحائكين يعملان بانهماك شديد .. لكنه أيضا لم ير الثوب ، إلا أنه تذكر أن هذا الثوب لا يراه إلا الأوفياء للخليفة ، وكبير المستشارين قد رآه .. وعليه فقد تحاشى هو أيضا حقيقة ما يمليه عليه عقله ، وقرر مجارات الموجة ، فأعطاهما الخيوط الذهبية بعد أن أثنى على جمال الثوب ، وعاد إلى الخليفة ليحدثه عن جمال الثوب وروعته ، وأعلمه بموعد الانتهاء من حياكته .



 بعد أيام و في الموعد المحدد لتسليم ، حضر المحتالان إلى الخليفة وقد كان بحوزتهما  الثوب الجديد  . خلع الخليفة ثيابه ، و تظاهر الحائكان أنهما يلبسانه ثوبه العجيب ويضبطان قياساته ... وقف الخليفة أمام المرآة وراح يتأمل نفسه بثوبه العجيب و النادر ، فصاح قائلا بفرح و إعجاب : هذا ثوب بديع ، فما أخف قماشه وما أجمل ألوانه .. إنه أروع ثوب أرتديته  فلا أكاد أشعر به من خفة وزنه  وتحمس الحاضرون لكلام الخليفة ورضاه .


بعد يومين أمر الخليفة بإقامة الاحتفالات في المدينة ليلبس فيها ثوبه الجديد العجيب ليراه الشعب ، ومع حلول الموعد خرج الخليفة للجمهور حيث وما أن رآه الناس حتى أخذوا يلوحون بالإعلام ويهتفون بكلمات المديح والإعجاب ليثبتوا لبعضهم البعض أنهم أوفياء للخليفة...و أنهم يحبونه حيث راحوا يهتفون (يحيا الخليفة – ما أجمل ثوب الخليفة –ما أعظم بلادنا )   و ابتهج الخليفة لهذا الأمر  أيما إبتهاج ، حيث وراح يلوح بيده مسرورا  لشبعه (شكرا شكرا ) ويرفع يديه كعلامة فرح والسعادة ..لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكن .. و فجأة و مـــــــــــــــــــــــن بين الجموع خرح صبي صغير .. وأخذ يضحك ويضحك وهو ينظر إلى موكب الخليفة في عجب بين الحاضرين ، وراح يصيح بكل براءة وطفولة  : الإمبراطور عار ... الإمبراطور عار . لبرهة صمت الحشد وتململ الحاضرون إلا أن صاح أحدهم : إنه خائن ، هذا الطفل خائن اعتقلوه ، إنه يشكك في ملابس الملك المهيبة إنه مدسوس ... و تهامس الناس بينهم وراحوا يصحون : الإعدام له ، الموت له  أرجموه  ، إنه لا يستحق الحياة من يشكك في ثوب ملكنا .



في هذه الإثناء قام الخليفة من مجلسه على الموكب ،   مطالبا الشعب بالصمت ليتكلم وقال :  برأيي يا شعبي العزيز و الوفي .. أنه لا حاجة لكل هذا العقاب ،  فهذا مجرد سوء سلوك من طفل  ، والصغار كما تعلمون "لا عقل لهم "، لهذا فإن كان الفتى أخطا بحقي فبعض التأديب كاف ليعيده لرشده  ولا داعي لإعدامه ، و أمر الخليفة الحراس بجلبه إليه ، حيث احضره الحراس وأركعوه إمامه و سأل الخليفة : ما رأيك في ثوبي يا فتى  ، هل ترى فيه أي عيب ؟؟؟ .



فقال الفتى في ذهول : أنك عاري أيها الخليفة إنك لا ترتدي أي شيء ، فزمجر الخليفة في داخله وكأنما كضم غيضا ، ثم أمر للحراس بصوت هادئ : حسنا ..أضربوه جلدتين لنرى رأيه بعدها .  فضرب الحاجب الطفل جلدتين قويتن بسوط جلدي لديه  ، فتلوى الطفل من الألم  ، ثم سأله الخليفة  : ما رأيك أيها الفتى بثوبي الآن هل ترى فيه من عيب ؟ ،  فرد الطفل بصعوبة في الكلام حيث  أشرقت كلماته بالدمع العصي : أنت عاري أيها الخليفة أنت ... ، فقال  الخليفة للحارس  : اضربه أربعا و سنرى جوابه القادم ، فقام الحاجب بضرب الطفل مرتين بسوطه ، وفي الثالثة ظهر له و كان الفتى قد أغمي عليه أو فارق الحياة ، فرد على الخليفة أنه لا حاجة لضربه الآن كما يبدو فالطفل لن يحس  .



 وهنــــــــا ومن بين الحشود صرخت سيدة يبدو أن إحساس الأمومة غلبها وقالت  : عار عليك أيها الخليفة  عار عليك .كيف تضرب طفلا على كلمات قالها .. ما هذا القلب و الحكم ، حتى لو اخطأ هذا الطفل ، فهذا لا يعني أنه يجب عقابه .



وهنا تصاعد التململ من جديد بين حشود الشعب ، حيث تفرقوا من حولها أين كانت تقف بينهم ، وبدوا في الغمز و التهامس نحو الصراخ "إنها مدسوسة معه ، إنها خائنة ، إنها تبرر الخيانة أقتلوها.. أرجموها .. الموت لها " . وهنا تكلم الخليفة ، وطالب الحشد بالهدوء ، وطلب من السيدة أن تتقدم  ، وسألها : هل حضرتك أيتها الرعية تشككين في حكمي ؟   فردت المرأة :  نعم يا مولاي ، فهذا الحكم قاس منك  ..  فرد الملك وهو يبدي ضحكة ضامرة :  لا بأس .. لا بأس فكخليفة لا يمكني إرضاء الجميع ..فكما تعلمون اذواق الناس تختلف ، لكن عموما ولتعرفي مدى رحمتي وعطفي  ، سأتركك للشعب ليريك عقاب من يتجرئ على المساس بذاتي ، و هذا  لتسألي نفسك حينها من الأكثر رحمة ؟  أنا أم شعبي ،  و أطلق الخليفة سراح الناس ليفعلوا بها ما يشاءون  ، و عليه و على حين غرّة قفز جمع من الناس على تلك السيدة بضرب ولكم و عض ، حتى وفي دقائق معدودة  لم تعد تلك السيدة سوى أشلاء  .



 وهنــــــــــــــــــا تقدم الملك على أشلاءها ، وخطب  : يا شعبي العزيز... يا أيها المخلصون لي ، أنتم الآن وفي هذه اللحظة تشهدون على ولادة شيء جديد ، ولادة معجزة في بلادنا  ...إن ردائي العجيب هذا اليوم قد أكد لي أن ولاءكم وإخلاصكم نابع من شيء خاص لا يمكن وصفه ، شيء سيحفظهة التاريخ إلى الأبد ، وعليه فاليوم وللأبد لقد بات هذا الثوب هو رمز مملكتنا المجيدة ، ورمز قوتها فمن رأى الثوب كان مخلصا لي ، ومن لم يره فأولئك هم الخائنون .



وصاح الناس بعد هذه الكلمات (يحيا الخليفة ، وليدم ملكه ، والمجد لخلافتنا ) وهللوا ورفعوا الملك على الأكتاف و غرقوا في فرح هستيري. 


 صياغة محلية لقصة هاننز كريستيان أندرسون -الإمبراطور و الرداء العجيب - شكرا .
                                                                       


هناك 4 تعليقات:

  1. سلامي سيدي :

    القصة هي اسقاط لواقعنا السياسي حيث أن الخليفة يمثل الحكام المستبدين الطغاة بأنانيتهم وغبائهم الأسطوري ، يشهرون سيف الحجاج في وجه كل من يعارضهم ،أما المحتالين و كبير المستشارين فيمثلون الحاشية المحيطة بهؤلاء الحكام من المنافقين الانتهازيين و الجشعين وعلماء البلاط الذين يتلاعبون بعقول الناس ويستغفلونهم لكي يبرروا نزوات الحكام ، وذلك من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية ، وصمت الجموع يمثل الشعب و عقلية القطيع التي تقبل بكل شيء كمسلمات وبديهيات غير قابلة للنقاش ، كما أن الشعب واقف في صف هؤلاء المنافقين رهبة أو غفلة ، ويمثل الطفل والمرأة صوت الحقيقة التي تقف بقوة واستبسال في وجه الزيف والأوهام ، الحقيقة التي يكشفها المثقفون المتنورون والثائرين على الأوضاع الراهنة ، الذين يصدحون بالحق في وجه الطغيان والاستبداد ، لكنهم لا يلقون الا الاتهامات والتخوين و العقاب والموت

    شكرا على القصة

    مع تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. تشكر أخي الكريم ، فكما قلت هي مجموعة من التداعيات تؤدي الى هذا الحال الكارثي ، سلطة فاسدة نخبة متسلقه ،و رعية جلها مغيب ، وفي النهاية تكون النتيجة دورة من التخلف لا تنتهي ، خاصة في ظل سيادة التسليم الاعمى بالهراء

      تحياتي لك

      حذف
  2. شكرا على الرد أخي سعيدة بزيارة مدونتك
    أتمنى أن تتحفنا بالمزيد من المقالات الهامة

    تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. وانا لي الشرف ايضا بأن تزوري مدونتي ...

      شكرا

      حذف