الاثنين، 13 يناير 2014

المدرسة و تلقين الجهل .                         

                                                                  

                                                

                                                                     

تكلمت في المقال السابق  »  المجتمع اللاعلمي وعلاقته بأزمة التعليم «  عن دور المجتمع " إما في تطوير ذاته بتبنيه للعلوم و المعرفة  كأسلوب حياة  ، وإما في تأخير نفسه عن طريق إهمالها " ، وقد وضحت في المقال كيف أن المدرسة وحدها لا تكفي لتكون رافعة للمجتمع من الناحية العلمية ، فالمدرسة تحتاج إلى دعم مجتمعي لها لفعل هذا ؛ ..لكن  الحقيقة انه و بقدر ما ارتأيت حينها أن هذا الرأي هو الصواب إلا أني أجد نفسي الآن مشككا في الأمر ، فالسؤال الذي يدور في ذهني حاليا هو : و من أين يأتي المجتمع بعلومه إذا لم يكن من المدرسة ؟   ثم أليست المدرسة هي اللبنة الأولى لنشر العلوم ، أو لنقل  منح الناس وسيلة الوصول إليها في الحد الأدنى على الأقل ؟ .

  شخصيا اعتقد حاليا انه وبالنسبة لمجتمعنا أن المدرسة مسئولة هي الأخرى عن تأخرنا عن الركب العلمي  (طبعا يضاف لها المجتمع كما شرحت في المقال السابق ) ، لان هذه المدرسة وعلى عكس بقية المدارس في العالم ، لا تمارس التدريس كما هو مفروض منها ، بل هي تمارس التلقين ، و التلقين  طبعا لا يصنع المجتمع العلمي (1.

 إن المطلوب و المفروض من أي مدرسة ولكي تجد الدعم المجتمعي لها للقيام بدورها ، هي أن تدعم الخريج بوسائل تلقي العلوم ، فالمدرسة يجب عليها شحذ همة السؤال  والفضول و البحث لدى الطالب ، و أيضا  زرع سلوك الشك و النقاش حول المسلمات  فيه ، فهذه القيم هي الأمور المطلوبة للإنسان ليبقى على حبه للتعلم بعد مغادرة المدرسة ، لكن طبعا من يتابع مدرستنا حاليا سيجد أنها مدرسة المقرر ، فالطالب فيها مطالب بحفظ المنهاج بدون سؤال أو كلام ، وعليه فهذا الطالب و بمجرد تركه مقاعد الدارسة يتحول مباشرة إلى إنسان خامل ، فهو  و حين كان يدرس تم قولبته على فكر الحفظ و البصم بما قتل داخله نزعة الإنسان الباحث التي يتطلبها المجتمع العلمي ، وعليه فنحن نجد أن الحالة انتهت بالجميع إلى العطالة الفكرية    .

بالمختصر لقد أدت سياسة التحفيظ هذه في مدارسنا إلى المجتمع اللاعلمي الذي نرى ، فالطلاب يحفظون فقط النظريات و المسائل ، لكن طبعا لا احد يعلم ماذا تعني ، و الأسوأ أيضا أنهم فقدوا حسهم ألتشكيكي، فالجميع (إلا قليلا) لم يعد لديهم الفضول الفطري لدى الإنسان للمعرفة ، لهذا افترض شخصيا و في ظل هكذا مدرسة انه ربما تكون الأمية و بقاء الإنسان على حالته أفضل لنا (2) ، لان الإنسان الأمي يبقي على الأقل محافظا على فضوله الفطري في البحث على الأشياء و السؤال ، ونحن نلمس هذا يوميا مع الأطفال الصغار ، في المقابل فإن من يتعلمون وفي ظل مدارسنا المدجِّنة سينتهون جميعا حتما لفقد هذه الميزة ، و هو تماما السبب وراء حالتنا الكارثية  فمدارسنا التي كان من المفروض أن تتولى مهمة تطوير المجتمع و الارتقاء به  هي من  باتت اليوم تتولى عملية تخريبه للأسف ، وعليه فلا عجب برأيي إذا كنا نرى مجتمعنا في أخر الركب العلمي العالمي فهذا أمر بديهي في ظل هكذا ظروف  .


(1)               للأسف نحن نجد أن هذا النهج التلقيني قديم قدم المدرسة لدينا ، فتقريبا ومنذ كتاتيب حفظ القران (وهي من أوائل المدارس التي أنشئت في بلادنا ) كل المدارس من حينها تقوم أساسا على الحفظ ، فقد أدى هاجس اندثار القران الذي سكن مدرسي القران في الأزمنة الغابرة ( زمن انعدام الورق و المجلدات للتدوين)  إلى تركيز عميق على قيم الحفظ ، و هو طبعا ما أنتهى بحالة كارثية على المدرسة الحديثة، فبقدر ما كان  ذلك الأسلوب مفيدا في حالة دراسة النص الديني  إلا إنه يمثل مصيبة على دراسة العلوم الحديثة ، فهذه العلوم تقوم أساسا على الفهم لا الحفظ .

(2)         نفرق هنا بين الجهل و الأمية، فالأمي هو الإنسان الذي يعلم أنه لا يعلم ، بينما الجاهل ، هو  يجهل انه يجهل ، وعليه فإن الأمية تبقى أفضل لأن صاحبها مستعد للتعلم ، على عكس الجاهل الذي سيرفض هذا .

شكرا .

  

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق