الأربعاء، 29 يناير 2014

في غياب معنى العلم .  
                                                          

بعد المقالين السابقين عن أزمة التعليم (سواء من جانب المدرسة أو من جانب المجتمع) ، والتي ناقشت فيها أسباب تدهور التعليم في الجزائر ، كان من بين الردود الكريمة التي جاءتني عليها هو الرد التالي من الأخت الكريمة "أماني أريس" .

   "في الحقيقة حالة المدرسة في مجتمعنا اليوم هي محل الشاهد ،  فبنظرة خاطفة على منظومتنا التربوية منذ الاستقلال نجد انها غيرت مناهجها و أحدثت العديد من التطورات بغية مواكبة العصر ، غير أنها لم تعنى بدراسة الواقع قبل صياغة هذه المناهج لان المدرسة والمجتمع حلقتان متكاملتان لا يمكن بأية حال من الأحوال تغليب تاثير أحداهما على الأخرى ، ولعل نتائج مبدا الكفاءات الذي استحدثته في السنوات الأخيرة والذي يعتمد بشكل أساسي على جهد التلميذ وتوجيهه الى ميدان البحث خير دليل على فشل الخطوة ، فالمنظومة تبنت أفكار مجتمعات تفوقنا في التنمية البشرية والاجتماعية والتكنولوجية وهلم جرا بعقود من الزمن وحاولت إسقاطها على مجتمعنا دون الالتفات الى حجم الهوة ، فحتى المبادرات الميدانية التي يحتاجها هذا النظام التعليمي الجديد لا تمارس في بلادنا بربع ما تمارس في دول اخرى استوحينا منها المناهج التربوية ومضامينها فكيف بالله ننتظر أن تكون النتيجة ؟ فتلميذ اليوم أصبح يعمد على ما اتيح له بالمقابل من وسائل جرد ونقل او بالأحرى استخراج جاهز للمعلومات دون ابسط محاولة للاطلاع على ما جاء فيها وكذلك الاستاذ اكتفى بتلقين ما جاءه في المنهاج دون عناء وفي هذه النقطة بالذات يدخل دور المجتمع ومدى تاثير المستوى الفكري والاخلاقي للفرد وللتبسيط اكثر : في تدريس اللغات مثلا الأستاذ مهما بذل من جهد فالوقت المحدد له لن يفي بالغرض ولن يكفي لاعطاء اكثر مما جاء في مذكرة درسه يبقى جهد تسعين بالمائة يعتمد على التلميذ فهل وجد هذا التمليذ بيئة اسرية تعنى بالمطالعة ؟ هنا يكمن الخلل ."

وحقيقة بعد قراءة هذا الرد لم أستطع إلا أتساءل حول مصداقية التحليلات التي سبق وذكرت ، فهل حقا أزمة التعليم في الجزائر  هي أزمة مدرسة ومجتمع ؟ أم أن الأمر ربما يكون أعمق من هذا و هو أن هناك أزمة لمفهوم العلم ودوره داخل المجتمع الجزائري من الأساس ، فكما نعلم لا يمكن لأي مدرسة أو جامعة أن تؤدي دورها في نشر العلم  إلا اذا كان ذلك المجتمع له تصور واضح لمعنى العلم ، وعليه فبالنسبة للجزائر ربما مشكل التعليم الحاصل حاليا ليس سوءا في طريقة التعليم أو غيابا للنزعة العلمية لدى المواطنين.. بل الأمر ربما هو فقدان لمعنى العلم لدى الناس ، فحين فقد المعنى و المغزى من العلم  انتهى الحال إلى حالة من الفشل المدرسي ، و شخصيا وبالنسبة لهذا الافتراض فأرى أنه ربما يكون هو التوصيف الصحيح لهذه الحالة ، لأنه برأيي لا يمكن تفسير هذا النزوع المجتمعي العام نحو "اللاعلمية" إلا إذا كان الأمر هو غياب لمعنى العلم لدى الناس  ، وبالنسبة لهذا  الإدعاء فأرى أن هناك بعض الأسباب التي قد تكون الدافع الرئيس لهذا المنحى وهي :

واحد : لربما يكون الفرد في بلادنا فقد الاهتمام بالعلم لان العلم لم يعد الوسيلة المثلى للنجاح ، فاليوم وكما نلاحظ جميعا في الجزائر لا يعني أن تكون متعلما أن تكون ناجحا ، فقد تكون تحوز أعلى الشهادات لكنك تبقى عاطلا عن العمل ، عدى طبعا مأساة أن ترى من لا يستحقون يأخذون مكانك بإسم المحسوبية و الرشوة ، على هذا فالناس بالعموم ولت وجهوها نحو أمور أخرى للاهتمام  بها ( الأعمال الحرة ، الاحتيال .. الفساد ..الخ) فهذه الأمور قد تضمن لك النجاح و الارتقاء في السلم الاجتماعي ، على عكس العلم الذي ستظل معه فقيرا معدوما .

ثانيا : لربما يكون سبب بعد المجتمع عن العلم نابع من اليأس في التفوق فيه ، فكما نعلم اليوم أمم العالم جلها تفوقنا بأشواط في المسائل العلمية ، لهذا فقد يكون هذا الأمر أدى لحالة من الإحباط في تحصيل العلم لدى الناس ، فما الفائدة من الجري في سباق محسوم النتائج ، وما فائدة مقارعة من لا يمكن هزمهم ، وعلي فربما يكون المجتمع تخلى عن فكرة التطور العلمي لأنه يعلم (أو على الأقل يرى ) مسبقا انه خاسر فيه .

 ثالثا : لربما يكون السبب أيضا أننا مجتمع يخاف العلم  (أو بمعنى أدق يخاف من التغييرات التي سيؤدي لها العلم في حال تبينه كمنهج حياة)  ، فكما نعلم لا يمكن لمجتمع أن يتبنى العلم بدون يؤدي هذا إلى تغيير نمط حياته ، لهذا فقد يكون المجتمع الجزائري مصابا بحالة من الرهاب من العلم لأنه يرفض تغييره ، وشخصيا أرى هذا واقعا لان العلم يقوم على الصدق و على الانضباط و على الوضوح ، و أيضا على المعتقدات العقلانية ، في المقابل فمجتمعنا لا تزال فئات كثيرة منه تعتاش على الدجل و الشعوذة والخرافة ، وهذه الفئات بلا شك لن يفيدها أي نزوع نحو العلم لهذا فهي ستعمل على  تعطيل أي مسعى نحوه.

عموما لا يمكني الجزم تماما بأي من هذه الاحتمالات الثلاث هو الاحتمال المؤكد أو أنها كلها مؤكدة ، لكن برأيي يبقى أن هذه الاحتمالات كلها تجيب على سؤال سبب غياب تصور العلم لدينا ، فسواء الطالب الذي يعتبر العلم ليس وسيلة النجاح ، أو المجتمع الذي يرى في العلم طريقا مسدودا ، او حتى بالنسبة للفئة التي يفيدها الجهل و الخرافة ، فهؤلاء جميعا بلا شك سيكونون معوقا نحو المسار التطوري الطبيعي للعلم ، وعليه فهؤلاء بتصوراتهم هذه يؤدون جميعا إلى  هذه الحالة من التذبذب و الخمول  بل والرفض إتجاه العلم   .. وهي طبعا السبب الذي أدى إلى لاعلمية مجتمعنا.

شكرا .


الاثنين، 13 يناير 2014

المدرسة و تلقين الجهل .                         

                                                                  

                                                

                                                                     

تكلمت في المقال السابق  »  المجتمع اللاعلمي وعلاقته بأزمة التعليم «  عن دور المجتمع " إما في تطوير ذاته بتبنيه للعلوم و المعرفة  كأسلوب حياة  ، وإما في تأخير نفسه عن طريق إهمالها " ، وقد وضحت في المقال كيف أن المدرسة وحدها لا تكفي لتكون رافعة للمجتمع من الناحية العلمية ، فالمدرسة تحتاج إلى دعم مجتمعي لها لفعل هذا ؛ ..لكن  الحقيقة انه و بقدر ما ارتأيت حينها أن هذا الرأي هو الصواب إلا أني أجد نفسي الآن مشككا في الأمر ، فالسؤال الذي يدور في ذهني حاليا هو : و من أين يأتي المجتمع بعلومه إذا لم يكن من المدرسة ؟   ثم أليست المدرسة هي اللبنة الأولى لنشر العلوم ، أو لنقل  منح الناس وسيلة الوصول إليها في الحد الأدنى على الأقل ؟ .

  شخصيا اعتقد حاليا انه وبالنسبة لمجتمعنا أن المدرسة مسئولة هي الأخرى عن تأخرنا عن الركب العلمي  (طبعا يضاف لها المجتمع كما شرحت في المقال السابق ) ، لان هذه المدرسة وعلى عكس بقية المدارس في العالم ، لا تمارس التدريس كما هو مفروض منها ، بل هي تمارس التلقين ، و التلقين  طبعا لا يصنع المجتمع العلمي (1.

 إن المطلوب و المفروض من أي مدرسة ولكي تجد الدعم المجتمعي لها للقيام بدورها ، هي أن تدعم الخريج بوسائل تلقي العلوم ، فالمدرسة يجب عليها شحذ همة السؤال  والفضول و البحث لدى الطالب ، و أيضا  زرع سلوك الشك و النقاش حول المسلمات  فيه ، فهذه القيم هي الأمور المطلوبة للإنسان ليبقى على حبه للتعلم بعد مغادرة المدرسة ، لكن طبعا من يتابع مدرستنا حاليا سيجد أنها مدرسة المقرر ، فالطالب فيها مطالب بحفظ المنهاج بدون سؤال أو كلام ، وعليه فهذا الطالب و بمجرد تركه مقاعد الدارسة يتحول مباشرة إلى إنسان خامل ، فهو  و حين كان يدرس تم قولبته على فكر الحفظ و البصم بما قتل داخله نزعة الإنسان الباحث التي يتطلبها المجتمع العلمي ، وعليه فنحن نجد أن الحالة انتهت بالجميع إلى العطالة الفكرية    .

بالمختصر لقد أدت سياسة التحفيظ هذه في مدارسنا إلى المجتمع اللاعلمي الذي نرى ، فالطلاب يحفظون فقط النظريات و المسائل ، لكن طبعا لا احد يعلم ماذا تعني ، و الأسوأ أيضا أنهم فقدوا حسهم ألتشكيكي، فالجميع (إلا قليلا) لم يعد لديهم الفضول الفطري لدى الإنسان للمعرفة ، لهذا افترض شخصيا و في ظل هكذا مدرسة انه ربما تكون الأمية و بقاء الإنسان على حالته أفضل لنا (2) ، لان الإنسان الأمي يبقي على الأقل محافظا على فضوله الفطري في البحث على الأشياء و السؤال ، ونحن نلمس هذا يوميا مع الأطفال الصغار ، في المقابل فإن من يتعلمون وفي ظل مدارسنا المدجِّنة سينتهون جميعا حتما لفقد هذه الميزة ، و هو تماما السبب وراء حالتنا الكارثية  فمدارسنا التي كان من المفروض أن تتولى مهمة تطوير المجتمع و الارتقاء به  هي من  باتت اليوم تتولى عملية تخريبه للأسف ، وعليه فلا عجب برأيي إذا كنا نرى مجتمعنا في أخر الركب العلمي العالمي فهذا أمر بديهي في ظل هكذا ظروف  .


(1)               للأسف نحن نجد أن هذا النهج التلقيني قديم قدم المدرسة لدينا ، فتقريبا ومنذ كتاتيب حفظ القران (وهي من أوائل المدارس التي أنشئت في بلادنا ) كل المدارس من حينها تقوم أساسا على الحفظ ، فقد أدى هاجس اندثار القران الذي سكن مدرسي القران في الأزمنة الغابرة ( زمن انعدام الورق و المجلدات للتدوين)  إلى تركيز عميق على قيم الحفظ ، و هو طبعا ما أنتهى بحالة كارثية على المدرسة الحديثة، فبقدر ما كان  ذلك الأسلوب مفيدا في حالة دراسة النص الديني  إلا إنه يمثل مصيبة على دراسة العلوم الحديثة ، فهذه العلوم تقوم أساسا على الفهم لا الحفظ .

(2)         نفرق هنا بين الجهل و الأمية، فالأمي هو الإنسان الذي يعلم أنه لا يعلم ، بينما الجاهل ، هو  يجهل انه يجهل ، وعليه فإن الأمية تبقى أفضل لأن صاحبها مستعد للتعلم ، على عكس الجاهل الذي سيرفض هذا .

شكرا .

  

 

السبت، 4 يناير 2014

المجتمع اللاعلمي وعلاقته بأزمة التعليم .                                                                

 

غالبا و حال الحديث عن أزمة التعليم في الجزائر ( أو في البلدان الشبيهة) ما نسمع تلك الأصوات التي تقول أن ضعف المناهج التعليمية  و قلة الإنفاق عن البحث العلمي هي السبب وراء هذا ، ( أيضا أن عدم الاهتمام بالجانب التنظيمي بالتعليم هو ما يفاقم الوضع ) ، و غالبا ما اعتبرت هذه الآراء تشخيص حقيقي و كلي  للأزمة ، لكن الحقيقة هي أن كل هذا الكلام (وعلى صحة بعضه) يبقى مجرد أمور هامشية أمام الحقيقة الأكيدة التي تقول " أن أي أنفاق أو تطوير للمناهج التعليمية إذا لم يتوازى مع احتضان شعبي للمعارف العلمية فإنه لن يؤتي أؤكله  ، فالعلوم بهذه الطريقة ومهما ما اجتهد فيها ستظل في النهاية حبيسة أروقة المدارس و مدرجات الجامعات وهذا لا يصنع مجتمعا علميا " .

اليوم لقد بات من المعروف في اغلب المجتمعات المتطورة أن العلم لا يمكن تدريسه كله في المدارس ، فالطالب إذا اعتمد على المدرسة كوسيلة وحيدة للتحصيل سيجد صعوبة في تلقي هذا الكم الهائل من العلوم الحديثة ، بل و قد يجد استحالت في تحصيها هناك ، لهذا فقد اعتمدت تلك المجتمعات لتلقين سلس و مريح للطالب إلى وسيلة أن يكون العلم منتشرا في المجتمع ككل ، (تشجيع المطالعة ، تشجيع الملتقيات العملية الخاصة ، المبادرة على الحوارات العلمية بين الناس ) فالطالب بهذه الطريقة يمكنه أن يستفيد من فهم العلوم ليس عن طريق دراسته في المدرسة فقط ؛ بل وفي عموم حياته اليومية .

حاليا و بالنظر  للجزائر فيمكن بسهولة معرفة لما لا تطور علمي لدينا ، فنحن كمجتمع نعتبر العلم أخر اهتماماتنا ، و لو تابعنا الحوارات التي تدور بين الناس كمثال لوجدنا أن العلم غائب فيها تماما ، فالناس عامة إما يناقشون أمور سياسية أو جنسية أو دينية ، وحتى هذه الأمور إذا نوقشت فتناقش بطريقة غير عملية  ، وعليه وفي مناخ كهذا كان لابد أن ينعكس الوضع على شكل ضعف عام لدى الطلاب الجزائريين ، فهم لا يمارسون العلم إلا لفترة محدودة داخل المدرسة  ، ثم هم حين ينهون الدارسة ينتهي بهم الأمر إلى فقدان كل ما تعلموه  ، لان ما لا يتم استدراكه دوريا ينسى سريعا . 

بالمختصر إن مشكلة التعليم في الجزائر هي في "لاعلمية المجتمع" ، على هذا فإن أي حديث عن نهضة أو تطوير التعليم في الجزائر مستقبلا لابد له الوعي أن المعرفة تبدأ من المجتمع ذاته لا من المدرسة التي هي امتداد له ، فالمجتمع إذا ما تشرب الروح العلمية وتبناها فهذا سينعكس لا محالة على حال المدرسة ..أما إذا ظل كما هو غارق في الجهل و الشعوبية فإن أي محاولات للإصلاح ستبوء بالفشل ، فنفس هذا المجتمع الذي يعلم هو الذي يُجهِّل ، و بهكذا مسار لن تقوم لأي شيء قائمة .


شكرا .

 

 

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2013

الأصولية تصدح و الإحتفلات في الجزائر تسير .


     

في كل عام و مع اقتراب موعد احتفالات رأس السنة الميلادية تبدأ الصحف الصفراء و الأصوليون في الجزائر بالصراخ والعويل (الاحتفال بالريـڤـيّون للكفار).. (الجزائر المحافظة لا تحتفل الريـڤـيّون) .. (الويل لمن يحتفل بالريـڤـيّون )  وحين تسمع هذا التهويل و العويل تضن للوهلة الأولى انه وفي العام القادم  لا شك سيقضى على الريـڤـيون في الجزائر ،  بل و ربما سيحذف ذكره حتى من القواميس ، لكن طبعا المفاجئة أن الجزائريين وعلى رأس كل سنة و كعادتهم يستمرون بالاحتفال ، بل وبالاحتفال ضعف ما فلعوا السنة السابقة  ، في المقابل فكل ما قيل سابقا من كلام يذهب أدراج الرياح  .

شخصيا اعتقد أنه من حق أي أصولي أو صحيفة صفراء أن تدلي برأيها في إحتفالات الريـڤـيون ، فليس متوقعا من أصولي أن يقبل الاحتفال برأس السنة الميلادية وهو حرم الاحتفال بالمولد النبوي  نفسه ، وعليه فهذه مسألة مفروغ منها ، لكن طبعا غير المقبول وما ليس حق   هؤلاء هو أن يدعوا أن الشعب الجزائري يؤيدهم ، أو أن يحاولوا فرض هذا الرأي عليه بالقوة ..فهذا أمر لا يمكن قبوله  .

   بالنسبة للجزائر نعم هناك فئات لا تحب الاحتفال بعيد رأس السنة ( و ربما عدم الاحتفال  بأي شيء أخر فهم ضد الاحتفال بالمولد النبوي وضد الإحتفال برأس السنة الأمازيغية و ضد الاحتفال بتأهل المنتخب وضد أي فرحة يفرحها الشعب) وهذا حقهم في بلد حر ، لكن طبعا المؤكد و الأكيد هو أن عموما الجزائريين  هم مع الاحتفالات ومع الفرحة وليس من حق احد أن يمنعهم ، وبالنسبة لرأس السنة الميلادية فالاحتفال به لم يعد شأن محلي ، بل هو جو عالمي من البهجة و السرور باستقبال العام الجديد ، وطبعا الشعب الجزائري لن يتخلف عن باقي شعوب العالم في هذا الأمر ، لهذا فبالنسبة لمن هم ضد الاحتفال نقول أنه لكل فرد حريته فمن أراد أن يحتفل ويفرح فهو حر ، و من لم يرد فهو حر أيضا بشرط أن يبقي غمه وتعاسته لنفسه .

أخيرا تهاني الحارة للشعب الجزائري وكل شعوب العالم بالعام الجديد ، العام الذي نتمناه عام سلام و وئام للجزائريين خاصة و لبقية شعوب العالم .

شكرا .
                                              

الاثنين، 30 ديسمبر 2013

الطـغـيـان العـربـي .       

                                           


عديد العصور في تاريخ البشرية عرفت حكم الطغاة ، و كثيرون هم الطغاة الذي عرفهم العالم ، لكن بين كل هؤلاء ، يتميز الطغيان العربي بميزة خاصة ، فهو و على عكس هؤلاء جميعا يمثل الجانب الأكثر بؤسا من الطغيان  .


 الطغيان في الحقيقة و رغم انه سلبي  لكن أحيانا يمكن أن نجد فيه بعض الايجابيات .. فمثلا أنشئ طاغية روسيا "ستالين" القوة النووية الروسية ، و منح طاغية الصين "ماو تسي" مقعدا للصين في مجلس الأمن  ، أما طاغية ألمانيا "هتلر" و رغم انه دمر ألمانيا  عقب الحرب العالمية الثانية ، إلا انه ترك نخبة من العلماء و الصناعيين للشعب الألماني لا تقدر بثمن (نفس النخبة التي ستنهض بألمانيا لاحقا )  ، إن هؤلاء القادة و رغم أنهم كانوا طغاة والطغيان شيء سلبي ، إلا أنهم تركوا ما يشفع لهم و لو قليلا أمام شعوبهم  ، في المقابل فلو تأملنا حال الطاغية العربي  لوجدنا أنه بلا إنجاز ، و بلا مشروع ، و بلا أي هدف سوى قمع الفقراء و  المساكين  و التسلط عليهم  .


إن الميزة التي يمكن حصرها في الطغيان العربي هو أنه طغيان يتسم بالجهل  و البؤس و التخلف ، فهو طغيان ناشر للجهل و للتخلف ، وممعن في إذلال من لا حول لهم ولا قوة ، وهنا وحين نقول الطغيان العربي فنحن لا نقصد الطغيان السياسي بشكل حصري ، فالواقع أن كل المجالات الحياتية العربية تعرف طغاة فيها ، فالمسئول العربي أي كان و ما أن يتولى منصبه حتى يبدأ بممارسة الطغيان في إطار ما يستطيع...(المدير القامع لموظفيه و الأب القامع لأسرته و الأستاذ القامع لتلاميذه ..الخ ) .


إن الطغيان العربي هو  في حقيقته نوع من الهشاشة النفسية الداخلية ، فاللامنطق و اللاجسارة التي يتحلى بها هؤلاء المسئولون، تجعلهم يمارسون  الإرهاب والقمع لفرض أفكارهم ، فبدون قمع و إكراه لن تجد لهؤلاء أو لأفكارهم أي أثر ... وعليه فالطغيان العربي في جوهره هو الإسقاط اللاواعي للهشاشة العربية .

شكرا .


السبت، 28 ديسمبر 2013

اللغة و التقدم المعرفي .                                                                                                                                                           
                                                                                        

تكلمت في المقال السابق (التعريب وحده  لا يكفي ) عن "اللاحل" الذي تمثله سياسية التعريب المتبعة للّحاق بالركب الحضاري ، وقد وضحت في المقال كيف أن هذا الأمر إذا لم يقترن بنهضة حضارية ومعرفية شاملة تغني العربية بإنشاء المصطلحات لا بتبنيها ، و قد ارتأيت لشرح أكثر تفصيلا حول هذا الأمر أن أضيف هذا الموضوع لشرح أوفى ، بالإضافة أيضا إلى محاولة لإزالة اللبس حول بعض التصورات التي تعتبر أن مشكل اللغة يكمن في عدم الاهتمام بها ، وليس كما نرى أنه مشكل عدم وجود تقدم حضاري ومعرفي يدعمها.


لو أخذنا اللغة الانجليزية على سبيل المثال لشرح هذا الأمر لأمكننا الإشارة بكل سهولة أن تفوق الانجليزية اليوم هو نتاج تقدم معرفي صرف ، فهي مثلا تصدر اليوم منشور علمي و أدبي كل دقيقتين ، عدى أنها تعالج يوميا نصف مليون مصطلح ، وأيضا أنها كلغة تمثل ما حجمه 80 % من حجم المعلومات الرقمية على الانترنيت ، و هو الأمر الذي يدفع جميع الشعوب الناطقة بلغة غير الانجليزية (خاصة الغير متطورة ) إلى تعلم الانجليزية من اجل الاستفادة من هذا الإنتاج ، فلكون انه من المستحيل ترجمة هذه البحوث جميعا ، عدى طبعا محاولة ملائمة المصطلحات مع لغتهم الأصلية ، فإن هذه الأمم تقوم بالحل الأسهل وهو تلقين مواطنيها اللغة الانجليزية ليكون مطلعين على العلوم الحديثة من باب المثل الصيني الذي يقول ( أن تعلم ابنك الصيد خير من تطعمه كل يوم سمكة  ) .


الأمر أخر وحول مسالة ريادة اللغة الانجليزية هو ما نلاحظه حول طبيعة خريطة انتشارها ، فمقارنة بالانتشار الذي حققته بفضل الاحتلال نجد أن من يتكلمون الانجليزية بسبب الاحتلال البريطاني لبلدانهم هم 309 مليون ، في المقابل فمن يتكلمون الانجليزية بسبب ريادة الحضارة "الأنجلو - سكسونية" و هيمنتها على إنتاج المعارف هم  400 مليون كلغة ثانية و مليار عن طريق التعليم  ) ما يعني أن الانتشار الذي حصل للغة الانجليزية على طريق" الامبريالية اللغوية" هو لا شيء مقارنة بما حصل لها مع حضورها كلغة ممثلة للتحضر و التطور .. على هذا فما يمكننا استنتاجه ختاما هو أن ريادة اللغة هي نتاج تقدم معرفي صرف ، و أن مسالة الحضور اللغوي هي مسالة تقدم حضاري وتقدم معرفي لا غير ، فقد تستطيع لغة ما أن تفرض نفسها بقوة الأمر الواقع (احتلال أو غزو .. مثلا ) ، لكن هذا لن يجعل منها لغة عالمية ، في المقابل فقد تكون اللغة غير استعمارية مطلقا لكنها يمكن أن تفرض نفسها على العالم ، على هذا فالأحرى القول أن لمن يريد أن يجعل لغته لغة رائدة أن أولى الخطوات هي السعي نحو نهضة معرفية وحضارية شاملة ، لان هذا هو السبيل الوحيد للريادة اللغوية في عصرنا الحالي ، أما ما عدى ذلك ، فبلا شك كله مصيره الفشل مهما ما بذل عليه من مجهود .

      روابط لبعض الإحصائيات حول الانجليزية التي أستند عليها الموضوع شكرا .
http://www.englishlanguageguide.com/facts/stats/
http://en.wikipedia.org/wiki/Books_p...untry_per_year
http://esl.about.com/od/englishlearn..._eslmarket.htm
                                                                                                                                                   

الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

التعريب وحده لا يكفي .                                                



                                                                                                             
لا شك أن تعريب المصطلحات من الأبواب الأولى للحفاظ على معاصرة اللغة العربية للتقدم العلمي ، و التعريب كما نعلم لم يبدأ اليوم أو أمس بل هو مسيرة طويلة  استمرت على مدار تاريخ اللغة العربية ، فبدا بالكلمات التي عربها القران مثال (أرائك و إستبرق ..الخ)   وصولا إلى عملية التعريب الحديثة التي بدأت مع نهضة محمد علي في مصر ،والتي جل الكلمات العربية الحديثة اليوم  تعود إليها  مثال (مستشفى بدل بيمارستان الفارسية ، و سيارة بدل أوتوموبيل ..الخ ) ، ولكن و مع هذا القبول لمبدأ التعريب يبقى السؤال هل يكفي التعريب وحده لضمان معاصرة اللغة العربية لتطورات العصر ؟  ثم هل يكفي أن نعرب لنقول أننا حللننا مشكلة اللغة العربية مع المصلحات الحديثة  ؟.



بالنسبة  لهذا السؤال فالجواب كما أرى  هو " لا "مع الأسف ، لان  التعريب وحده  لن يحل أزمة اللغة العربية مع المصطلح الحديث .. فإذا لم تتوازى  تلك العملية مع مسيرة  للغة في اختراع المصطلح ( لا محاولة تبنيه ) وهذا طبعا عن طريق نهضة حضارية ومعرفية شاملة .. فحتما ستظل أزمتها مع المصطلحات قائمة ، فالتقدم العلمي و المصطلحات الجديدة ستضل يوميا تضغط على أعصابها، وبدون انطلاقة ذاتية منها  فقد تنهار لا شك ذات يوم  .



الشيء الأخر بالنسبة التعريب هو  وكما نرى اليوم في رفض الناس لتبنيه ،  فالتعريب لا يعاني  فقط من ضغط التسارع الحضاري عليه (وهي أزمة عويصة)  ، بل و من قبول الناس لهذا التعريب أيضا ،  فالمواطن العادي اليوم كثيرا ما يجادل في مسالة تقبل هذا المصطلح المعرب أو  ذاك ، والذي يمكن القول انه جدل مفهوم فبالنظر إلى بعض المصطلحات المعربة نجد أن التعريب روعي فيه الكم لا الكيف ، عدى أن الجمالية و سهولة النطق لم تراعا تماما  .. وعليه اليوم و رغم وجود الكثير من المصطلحات المعربة لكننا نلاحظ أن الناس لا تستعملها ، فمثلا نحن لا نجد من يستعمل كلمة (الرائي لوصف التلفاز)  ، أو (المقحل لوصف الترانزستور ) ، أو (الناسوخ لوصف الفاكس ) أو ( الحاضون  لوصف " لتبحثوا عن معناها أفضل ") ، عدى طبعا الكلمات الكثيرة التي غزت اللغة العربية المحكية بدون أن يجد لها المعربون أي مقابل .



على هذا نقول أن أزمة اللغة مع المصطلح الحديث ليست فقط في وجود تعريب له ( على قلته) ، بل وفي وجود مصطلح معرب يلبي رغبة العربي العادي في نطق سلس و كلام مفهوم يفهمه اغلب الناس .. و إلى ذلك فعلى من يتبنى فكرة التعريب أن يفكر في أمرين أساسيين لا مناص منهما  – 1  : إيجاد سبيل لنهضة حضارية تخلص اللغة العربية من أزمتها مع تطورات العصر  وهو الحل الجذري - 2   : إيجاد مصطلحات معربة تكون سلسلة في النطق  ، سلسة في الانتشار بين الناس .. فهذا اقل ما يمكن لحل هذا الإشكال حلا فعالا .



 شكرا