الجمعة، 14 فبراير 2014

يسقط الحب لتعلو الحرب .                    
                                                                       
          


  لاشك قد تتساءلون ومع حلول عيد الحب ، لماذا نحن الإسلاميون و الإرهابيون  والفقهاء و الوعاظ و الدعاة .. الخ  كلنا  ضد عيد الحب ؟  ببساطة الجواب نحن ضد الحب و عيد الحب لان الحب نقيض  الكره ، والكره هو تجارتنا التي نعتاش عليها ، لهذا فلنستمر يجب أن يزول الحب ..

   ترى هل كان يمكن صنع إرهابي في بلاد فيها الحب ؟ بالطبع لا ، ترى هل كان يمكن أن تكون هنا حروب ودماء وقتل في بلاد يغمرها الحب ؟ بالطبع لا ، ترى هل كنا لنستطيع تجنيد طوابير  من الانتحاريين الطامعين في حور العين في بلاد في حب ؟ بالطبع لا ، ترى هل كان يمكن إقناع إنسان بتفجير نفسه إذا كان له صديقة يحبها وتحبه بالطبع لا و ألف لا  ..

إن الحب هو مشكلنا الوحيد و عائقنا الأساس أمام عالم الإجرام الذي نحاول صنعه ، لهذا  فلا تتعجبوا إن كنا ضد الحب فلا حرب مع الحب ، ولا دمار مع الحب ، ولا كره ولا بغضاء و لا قتلى مع الحب ، إن الحب هو وباء المشاعر الذي يجتاح عالمنا الإجرمي الموعود ، لهذا وجب أن يسقط الحب لتعلو الحرب .

شكرا .

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

حول تخلف الخطاب الديني .                                                   




لاشك أن الأسباب التي يمكن عدها حول دواعي تخلف الخطاب الديني كثيرة ، فبحسب الكتب والدراسات التي تناولت هذا الأمر يمكن  القول أنه ليس هناك الكثير الذي لم يتم الإشارة إليه  ؛ لكن و مع هذا فبنظرنا هناك  بعض الزوايا التي لا يزال لم يلقى عليها بالضوء ، و منها  مسالة  "كيف أثر نظام التعليم الحالي على حالة التخلف الفكري في الخطاب الديني"   وهو ما سنتكلم عليه في هذا المقال .

تعلمون جميعا انه في النظام المدرسي في بلادنا أن جميع أصحاب الدرجات العليا يوجهون للاختصاصات العلمية ، فهذه الاختصاصات تتطلب عقولا ذكية لتجتهد فيها ، في المقابل فالتخصصات الأخرى كالدراسات الإسلامية مثلا يوجه لها أصحاب المؤهلات الأقل ، و الحقيقة أنه و بقدر ما تبدو هذه الحالة طبيعية ، فالدراسات الإسلامية لا تحتاج عقلا لجبرا لفهمها ، إلا أنها  حقيقة  تخلق كارثة لا حد لها  بالنسبة للمجتمع ؛" خاصة إذا علمنا أن أولائك الخريجين المحدودي الذكاء الذين وجهوا للدراسات الإسلامية سيصبحون لا حقا  هم النخبة المسيطرة على  المجتمع العلمي و الأدبي ". 

إن المشكلة التي تنتج من نظامنا المدرسي ببساطة هي  أن  هذا الطالب المحدود الذكاء الذي يوجّه ليدرس الدراسات الإسلامية  سيصبح  لاحقا رجل دين (عدى من هم رجال دين بلا دراسة وتلك قصة أخرى )  ، ورجل الدين في بلادنا ليس أمرا هينا ليتسلمه كل من هب ودب ، فهذا المنصب عدى أنه يشغل حيزه الإيماني و الإرشادي ، فهو  يؤثر أيضا على المجال العلمي والسياسي و الاجتماعي ،  وعليه فالكارثة التي نشير إليها هي أن هذا النظام يخلق لنا مجتمعا يديره الجهلة من رجال الدين  ، فهؤلاء و بحكم المنصب باتوا هم من يحركون المجتمع في أي اتجاه يريدون ، وتتفاقم الأزمة إذا علمنا أنه وحتى بالنسبة للنخبة المثقفة و الواعية التي يمكن أن توازن الوضع  فهي ضحية هي الأخرى  لهذا النظام ، فرجل الدين ليس سيدا على الجهلة من الناس فقط ، بل سيدا على المتعلمين منهم أيضا ، بحيث أنه يمكن في ظل مجتمعاتنا الدينية لأتفه رجل دين أن يلغي بفتوى صغيرة قرون من البحث العلمي و الدراسات الرصينة .

بالمختصر إن أزمة الخطاب الديني و مشاكلنا معه تكمن في هذا التسليم للمجال الديني لمجموعة من الجهلة ، فهؤلاء وبعقولهم الصغيرة هم من ينتج لنا حاليا هذه التشوهات الرهيبة في الحقل الديني ، والتي لا يمكن الحديث عنها إلا أنها نتاج مجتمع مدان .. فإذا أردنا الحديث عن أزمة الخطاب الديني فالأحرى أن لا نتكلم عن رجال الدين وما بهم من معضلات ، بل أن تكلم على ذلك المجتمع  (أي نحن) الذين سلمنا أمرنا لمجموعة من الجهلة ليقدونا ، بينما تركنا خيرة أبناءنا من علماء و مثقفين ليكونوا ضحية لأولئك الجهلة أيضا .

شكرا  .
                                

الجمعة، 7 فبراير 2014

الخطاب الديني و المؤمن الذكي .                                                                             

                                                                                                  


لا شك أغلبكم يعرف القول المأثور الذي يقول (حدثوا الناس على قدر عقولهم ) ، أو كما يروى عن الإمام علي "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ " وهو القول الذي يقصد به أن على الفقهاء أو غيرهم  أن يحدثوا المؤمنين على قدر مقدرتهم على الفهم  ليفهموا ، فكما نعلم لكل إنسان مستوى معين من الوعي ، فإذا حدثناه بغير مستواه فهو لن يفهم ؛ وحقيقة و بقدر إعجابي بهذه المقولة و عمل الكثير من الفقهاء بها  لكن  يبقى السؤال الذي يحيرني دائما هو "لماذا يفسر الفقهاء هذه المقولة دائما على أنها تعني محدودي الذكاء فقط ؟" فأنت لا تكاد تجلس لتسمع درس ديني أو خطبة جمعة إلا ووجدت الواعظ يحدث الناس وكأنهم لم يدرسوا حتى في الحضانة ، فالخطاب الديني دائما هو خطاب سطحي اختزالي تبسيطي حد السذاجة ، في المقابل فالأذكياء و أصحاب مستويات الفهم العليا و الذين يفترض أن يكون لهم حظ من هذا الخطاب فهم مستثنون تماما منه .


شخصيا كنت اعتقد في البداية حين انتبهت لهذا الأمر انه أسلوب اخذ عليه الفقهاء من القديم ، فقديما كان الجهل مستشري بين الناس و الفقهاء ألفوا  على هذا الأسلوب من الوعظ ، لكن اليوم أرى أن الأمر ليس عادة بل هو  محدودية في الخطاب .. فهؤلاء الفقهاء لا يملكونا أصلا غير هذا التصور الضيق و البدائي  ليروجوه ، ولو كان لهم غيره لكنا سمعناه في مجالس أخرى ، وهذه هي الحقيقة ، فاليوم  ورغم طوابير خريجي الجامعات و المدارس العليا  وأصحاب الشهادات إلا انه لا يوجد إلا نادرا جدا أن تجد فقيه يحدث الناس بخطاب إسلامي معاصر يراعي التطور العلمي والمعرفي ونسب الذكاء المرتفعة للمستمعين  ، أما الأغلبية طبعا فكلها غارقة في جاهلات وأفكار من العصور السحيقة .

حقيقة ما يحصل اليوم للخطاب الديني الإسلامي انه بات خطاب الجهل ، فقد سيطر عليه منذ زمن التصور الخرافي و التسطيحي وعليه أقول لكن إنسان متعلم بات لا يقنعه هذا الأمر أنه ليس وحيدا  فاليوم جل المتعلمين و أصحاب الذهن الحي باتوا ينفرون منه ، وهؤلاء غالبا ما يطورون تصوراتهم الإيمانية بمعزل على الخطاب المتداول ، على هذا فإذا كنت من هذه الفئة فأنت لست شاذا عن القاعدة ، بل الشاذ هو هذه الحالة من رواج الجهل و الخرافة التي يراد لها أن تسيطر  .. (مهدى للزميلة صابرين ) .
 
شكرا .

السبت، 1 فبراير 2014

هل العربية وحدها لغة القرآن ؟
                                                                             




حين نقول أن اللغة العربية لغة القران ، وأنها لهذا لغة لها مكانة خاصة دون غيرها اوليس السؤال البديهي هو "لماذا تحتل العربية وحدها هذه المكانة دون بقية لغات العالم ؟" ، فكما نعلم جميعا فالقران هو وحي الله المنزل على الأرض ، والوحي لم يختص كما نعلم بقوم ما ، فهو انزل على أقوام العالم  جميعا عبر رسل يكلمونهم بألسنتهم فالنبي موسى (ع) اليهودي كلم قومه بالهيروغليفية ، و النبي عيسى (ع) كلم قومه بالآرامية، و النبي محمد  ( صلعم ) كلم قومه بالعربية  ، وطبعا غيرهم من الأنبياء لاشك حدثوا أقوامهم بلغاتهم كالآمازيغية و الفارسية  و السنسكريتية  ... وغيرها ، فالله لن يبعث نبيا يحدث قومه بلغة لا يفهمونها  .. الأمر الأخر و حين نقول أن اللغة العربية لغة مقدسة لأنها لغة الجنة ، اوليس السؤال المباشر  أيضا هو :  لماذا العربية دون غيرها من لغات العالم ؟ ، فمثلا لماذا يختار الله حال تقديسه لغة ، أن تكون لغة العرب وحدهم ، و كما نعلم فالعرب قبيلة صغيرة محدودة العدد مقابل سكان الأرض ، وحتى اليوم فهي كلغة لغة أقلية بالنسبة للغات العالم ، فلماذا لم يختر الله الانجليزية مثلا وهي لغة يستعملها اغلب أهل الارض ، ثم لماذا نفترض أن الله وحال ان يختار لغة انه سيختار لغة من لغات أهل الأرض بالضرورة ، فهل يمكن للأرض وهي ذرة رمل في صحراء الكون أن تحتكر حق أعلاء لغتها على باقي مخلوقات الكون ، (هذا  عدى طبعا سؤال لماذا نفترض أن الله يحتاج إلى استعارة لغة أرضية ليتكلم بها في علياه أصلا  ، فهل لا يملك الله لغة الخاصة …؟ .)

ألا يتضح لنا من الكلام أعلاه أن كل هذه الافتراضات ما هي سوى محض هراء عنصري أيدلوجي ، أو في أحسن الأحوال مجرد تصورات ذاتية محدودة لمعنى الله و الوجود  ما يعني طبعا انه لا حاجة للأخذ بها في أي نقاش رصين  لان الأمر لا يفيد في شيء.

شكرا .



                                 

الأربعاء، 29 يناير 2014

في غياب معنى العلم .  
                                                          

بعد المقالين السابقين عن أزمة التعليم (سواء من جانب المدرسة أو من جانب المجتمع) ، والتي ناقشت فيها أسباب تدهور التعليم في الجزائر ، كان من بين الردود الكريمة التي جاءتني عليها هو الرد التالي من الأخت الكريمة "أماني أريس" .

   "في الحقيقة حالة المدرسة في مجتمعنا اليوم هي محل الشاهد ،  فبنظرة خاطفة على منظومتنا التربوية منذ الاستقلال نجد انها غيرت مناهجها و أحدثت العديد من التطورات بغية مواكبة العصر ، غير أنها لم تعنى بدراسة الواقع قبل صياغة هذه المناهج لان المدرسة والمجتمع حلقتان متكاملتان لا يمكن بأية حال من الأحوال تغليب تاثير أحداهما على الأخرى ، ولعل نتائج مبدا الكفاءات الذي استحدثته في السنوات الأخيرة والذي يعتمد بشكل أساسي على جهد التلميذ وتوجيهه الى ميدان البحث خير دليل على فشل الخطوة ، فالمنظومة تبنت أفكار مجتمعات تفوقنا في التنمية البشرية والاجتماعية والتكنولوجية وهلم جرا بعقود من الزمن وحاولت إسقاطها على مجتمعنا دون الالتفات الى حجم الهوة ، فحتى المبادرات الميدانية التي يحتاجها هذا النظام التعليمي الجديد لا تمارس في بلادنا بربع ما تمارس في دول اخرى استوحينا منها المناهج التربوية ومضامينها فكيف بالله ننتظر أن تكون النتيجة ؟ فتلميذ اليوم أصبح يعمد على ما اتيح له بالمقابل من وسائل جرد ونقل او بالأحرى استخراج جاهز للمعلومات دون ابسط محاولة للاطلاع على ما جاء فيها وكذلك الاستاذ اكتفى بتلقين ما جاءه في المنهاج دون عناء وفي هذه النقطة بالذات يدخل دور المجتمع ومدى تاثير المستوى الفكري والاخلاقي للفرد وللتبسيط اكثر : في تدريس اللغات مثلا الأستاذ مهما بذل من جهد فالوقت المحدد له لن يفي بالغرض ولن يكفي لاعطاء اكثر مما جاء في مذكرة درسه يبقى جهد تسعين بالمائة يعتمد على التلميذ فهل وجد هذا التمليذ بيئة اسرية تعنى بالمطالعة ؟ هنا يكمن الخلل ."

وحقيقة بعد قراءة هذا الرد لم أستطع إلا أتساءل حول مصداقية التحليلات التي سبق وذكرت ، فهل حقا أزمة التعليم في الجزائر  هي أزمة مدرسة ومجتمع ؟ أم أن الأمر ربما يكون أعمق من هذا و هو أن هناك أزمة لمفهوم العلم ودوره داخل المجتمع الجزائري من الأساس ، فكما نعلم لا يمكن لأي مدرسة أو جامعة أن تؤدي دورها في نشر العلم  إلا اذا كان ذلك المجتمع له تصور واضح لمعنى العلم ، وعليه فبالنسبة للجزائر ربما مشكل التعليم الحاصل حاليا ليس سوءا في طريقة التعليم أو غيابا للنزعة العلمية لدى المواطنين.. بل الأمر ربما هو فقدان لمعنى العلم لدى الناس ، فحين فقد المعنى و المغزى من العلم  انتهى الحال إلى حالة من الفشل المدرسي ، و شخصيا وبالنسبة لهذا الافتراض فأرى أنه ربما يكون هو التوصيف الصحيح لهذه الحالة ، لأنه برأيي لا يمكن تفسير هذا النزوع المجتمعي العام نحو "اللاعلمية" إلا إذا كان الأمر هو غياب لمعنى العلم لدى الناس  ، وبالنسبة لهذا  الإدعاء فأرى أن هناك بعض الأسباب التي قد تكون الدافع الرئيس لهذا المنحى وهي :

واحد : لربما يكون الفرد في بلادنا فقد الاهتمام بالعلم لان العلم لم يعد الوسيلة المثلى للنجاح ، فاليوم وكما نلاحظ جميعا في الجزائر لا يعني أن تكون متعلما أن تكون ناجحا ، فقد تكون تحوز أعلى الشهادات لكنك تبقى عاطلا عن العمل ، عدى طبعا مأساة أن ترى من لا يستحقون يأخذون مكانك بإسم المحسوبية و الرشوة ، على هذا فالناس بالعموم ولت وجهوها نحو أمور أخرى للاهتمام  بها ( الأعمال الحرة ، الاحتيال .. الفساد ..الخ) فهذه الأمور قد تضمن لك النجاح و الارتقاء في السلم الاجتماعي ، على عكس العلم الذي ستظل معه فقيرا معدوما .

ثانيا : لربما يكون سبب بعد المجتمع عن العلم نابع من اليأس في التفوق فيه ، فكما نعلم اليوم أمم العالم جلها تفوقنا بأشواط في المسائل العلمية ، لهذا فقد يكون هذا الأمر أدى لحالة من الإحباط في تحصيل العلم لدى الناس ، فما الفائدة من الجري في سباق محسوم النتائج ، وما فائدة مقارعة من لا يمكن هزمهم ، وعلي فربما يكون المجتمع تخلى عن فكرة التطور العلمي لأنه يعلم (أو على الأقل يرى ) مسبقا انه خاسر فيه .

 ثالثا : لربما يكون السبب أيضا أننا مجتمع يخاف العلم  (أو بمعنى أدق يخاف من التغييرات التي سيؤدي لها العلم في حال تبينه كمنهج حياة)  ، فكما نعلم لا يمكن لمجتمع أن يتبنى العلم بدون يؤدي هذا إلى تغيير نمط حياته ، لهذا فقد يكون المجتمع الجزائري مصابا بحالة من الرهاب من العلم لأنه يرفض تغييره ، وشخصيا أرى هذا واقعا لان العلم يقوم على الصدق و على الانضباط و على الوضوح ، و أيضا على المعتقدات العقلانية ، في المقابل فمجتمعنا لا تزال فئات كثيرة منه تعتاش على الدجل و الشعوذة والخرافة ، وهذه الفئات بلا شك لن يفيدها أي نزوع نحو العلم لهذا فهي ستعمل على  تعطيل أي مسعى نحوه.

عموما لا يمكني الجزم تماما بأي من هذه الاحتمالات الثلاث هو الاحتمال المؤكد أو أنها كلها مؤكدة ، لكن برأيي يبقى أن هذه الاحتمالات كلها تجيب على سؤال سبب غياب تصور العلم لدينا ، فسواء الطالب الذي يعتبر العلم ليس وسيلة النجاح ، أو المجتمع الذي يرى في العلم طريقا مسدودا ، او حتى بالنسبة للفئة التي يفيدها الجهل و الخرافة ، فهؤلاء جميعا بلا شك سيكونون معوقا نحو المسار التطوري الطبيعي للعلم ، وعليه فهؤلاء بتصوراتهم هذه يؤدون جميعا إلى  هذه الحالة من التذبذب و الخمول  بل والرفض إتجاه العلم   .. وهي طبعا السبب الذي أدى إلى لاعلمية مجتمعنا.

شكرا .


الاثنين، 13 يناير 2014

المدرسة و تلقين الجهل .                         

                                                                  

                                                

                                                                     

تكلمت في المقال السابق  »  المجتمع اللاعلمي وعلاقته بأزمة التعليم «  عن دور المجتمع " إما في تطوير ذاته بتبنيه للعلوم و المعرفة  كأسلوب حياة  ، وإما في تأخير نفسه عن طريق إهمالها " ، وقد وضحت في المقال كيف أن المدرسة وحدها لا تكفي لتكون رافعة للمجتمع من الناحية العلمية ، فالمدرسة تحتاج إلى دعم مجتمعي لها لفعل هذا ؛ ..لكن  الحقيقة انه و بقدر ما ارتأيت حينها أن هذا الرأي هو الصواب إلا أني أجد نفسي الآن مشككا في الأمر ، فالسؤال الذي يدور في ذهني حاليا هو : و من أين يأتي المجتمع بعلومه إذا لم يكن من المدرسة ؟   ثم أليست المدرسة هي اللبنة الأولى لنشر العلوم ، أو لنقل  منح الناس وسيلة الوصول إليها في الحد الأدنى على الأقل ؟ .

  شخصيا اعتقد حاليا انه وبالنسبة لمجتمعنا أن المدرسة مسئولة هي الأخرى عن تأخرنا عن الركب العلمي  (طبعا يضاف لها المجتمع كما شرحت في المقال السابق ) ، لان هذه المدرسة وعلى عكس بقية المدارس في العالم ، لا تمارس التدريس كما هو مفروض منها ، بل هي تمارس التلقين ، و التلقين  طبعا لا يصنع المجتمع العلمي (1.

 إن المطلوب و المفروض من أي مدرسة ولكي تجد الدعم المجتمعي لها للقيام بدورها ، هي أن تدعم الخريج بوسائل تلقي العلوم ، فالمدرسة يجب عليها شحذ همة السؤال  والفضول و البحث لدى الطالب ، و أيضا  زرع سلوك الشك و النقاش حول المسلمات  فيه ، فهذه القيم هي الأمور المطلوبة للإنسان ليبقى على حبه للتعلم بعد مغادرة المدرسة ، لكن طبعا من يتابع مدرستنا حاليا سيجد أنها مدرسة المقرر ، فالطالب فيها مطالب بحفظ المنهاج بدون سؤال أو كلام ، وعليه فهذا الطالب و بمجرد تركه مقاعد الدارسة يتحول مباشرة إلى إنسان خامل ، فهو  و حين كان يدرس تم قولبته على فكر الحفظ و البصم بما قتل داخله نزعة الإنسان الباحث التي يتطلبها المجتمع العلمي ، وعليه فنحن نجد أن الحالة انتهت بالجميع إلى العطالة الفكرية    .

بالمختصر لقد أدت سياسة التحفيظ هذه في مدارسنا إلى المجتمع اللاعلمي الذي نرى ، فالطلاب يحفظون فقط النظريات و المسائل ، لكن طبعا لا احد يعلم ماذا تعني ، و الأسوأ أيضا أنهم فقدوا حسهم ألتشكيكي، فالجميع (إلا قليلا) لم يعد لديهم الفضول الفطري لدى الإنسان للمعرفة ، لهذا افترض شخصيا و في ظل هكذا مدرسة انه ربما تكون الأمية و بقاء الإنسان على حالته أفضل لنا (2) ، لان الإنسان الأمي يبقي على الأقل محافظا على فضوله الفطري في البحث على الأشياء و السؤال ، ونحن نلمس هذا يوميا مع الأطفال الصغار ، في المقابل فإن من يتعلمون وفي ظل مدارسنا المدجِّنة سينتهون جميعا حتما لفقد هذه الميزة ، و هو تماما السبب وراء حالتنا الكارثية  فمدارسنا التي كان من المفروض أن تتولى مهمة تطوير المجتمع و الارتقاء به  هي من  باتت اليوم تتولى عملية تخريبه للأسف ، وعليه فلا عجب برأيي إذا كنا نرى مجتمعنا في أخر الركب العلمي العالمي فهذا أمر بديهي في ظل هكذا ظروف  .


(1)               للأسف نحن نجد أن هذا النهج التلقيني قديم قدم المدرسة لدينا ، فتقريبا ومنذ كتاتيب حفظ القران (وهي من أوائل المدارس التي أنشئت في بلادنا ) كل المدارس من حينها تقوم أساسا على الحفظ ، فقد أدى هاجس اندثار القران الذي سكن مدرسي القران في الأزمنة الغابرة ( زمن انعدام الورق و المجلدات للتدوين)  إلى تركيز عميق على قيم الحفظ ، و هو طبعا ما أنتهى بحالة كارثية على المدرسة الحديثة، فبقدر ما كان  ذلك الأسلوب مفيدا في حالة دراسة النص الديني  إلا إنه يمثل مصيبة على دراسة العلوم الحديثة ، فهذه العلوم تقوم أساسا على الفهم لا الحفظ .

(2)         نفرق هنا بين الجهل و الأمية، فالأمي هو الإنسان الذي يعلم أنه لا يعلم ، بينما الجاهل ، هو  يجهل انه يجهل ، وعليه فإن الأمية تبقى أفضل لأن صاحبها مستعد للتعلم ، على عكس الجاهل الذي سيرفض هذا .

شكرا .

  

 

السبت، 4 يناير 2014

المجتمع اللاعلمي وعلاقته بأزمة التعليم .                                                                

 

غالبا و حال الحديث عن أزمة التعليم في الجزائر ( أو في البلدان الشبيهة) ما نسمع تلك الأصوات التي تقول أن ضعف المناهج التعليمية  و قلة الإنفاق عن البحث العلمي هي السبب وراء هذا ، ( أيضا أن عدم الاهتمام بالجانب التنظيمي بالتعليم هو ما يفاقم الوضع ) ، و غالبا ما اعتبرت هذه الآراء تشخيص حقيقي و كلي  للأزمة ، لكن الحقيقة هي أن كل هذا الكلام (وعلى صحة بعضه) يبقى مجرد أمور هامشية أمام الحقيقة الأكيدة التي تقول " أن أي أنفاق أو تطوير للمناهج التعليمية إذا لم يتوازى مع احتضان شعبي للمعارف العلمية فإنه لن يؤتي أؤكله  ، فالعلوم بهذه الطريقة ومهما ما اجتهد فيها ستظل في النهاية حبيسة أروقة المدارس و مدرجات الجامعات وهذا لا يصنع مجتمعا علميا " .

اليوم لقد بات من المعروف في اغلب المجتمعات المتطورة أن العلم لا يمكن تدريسه كله في المدارس ، فالطالب إذا اعتمد على المدرسة كوسيلة وحيدة للتحصيل سيجد صعوبة في تلقي هذا الكم الهائل من العلوم الحديثة ، بل و قد يجد استحالت في تحصيها هناك ، لهذا فقد اعتمدت تلك المجتمعات لتلقين سلس و مريح للطالب إلى وسيلة أن يكون العلم منتشرا في المجتمع ككل ، (تشجيع المطالعة ، تشجيع الملتقيات العملية الخاصة ، المبادرة على الحوارات العلمية بين الناس ) فالطالب بهذه الطريقة يمكنه أن يستفيد من فهم العلوم ليس عن طريق دراسته في المدرسة فقط ؛ بل وفي عموم حياته اليومية .

حاليا و بالنظر  للجزائر فيمكن بسهولة معرفة لما لا تطور علمي لدينا ، فنحن كمجتمع نعتبر العلم أخر اهتماماتنا ، و لو تابعنا الحوارات التي تدور بين الناس كمثال لوجدنا أن العلم غائب فيها تماما ، فالناس عامة إما يناقشون أمور سياسية أو جنسية أو دينية ، وحتى هذه الأمور إذا نوقشت فتناقش بطريقة غير عملية  ، وعليه وفي مناخ كهذا كان لابد أن ينعكس الوضع على شكل ضعف عام لدى الطلاب الجزائريين ، فهم لا يمارسون العلم إلا لفترة محدودة داخل المدرسة  ، ثم هم حين ينهون الدارسة ينتهي بهم الأمر إلى فقدان كل ما تعلموه  ، لان ما لا يتم استدراكه دوريا ينسى سريعا . 

بالمختصر إن مشكلة التعليم في الجزائر هي في "لاعلمية المجتمع" ، على هذا فإن أي حديث عن نهضة أو تطوير التعليم في الجزائر مستقبلا لابد له الوعي أن المعرفة تبدأ من المجتمع ذاته لا من المدرسة التي هي امتداد له ، فالمجتمع إذا ما تشرب الروح العلمية وتبناها فهذا سينعكس لا محالة على حال المدرسة ..أما إذا ظل كما هو غارق في الجهل و الشعوبية فإن أي محاولات للإصلاح ستبوء بالفشل ، فنفس هذا المجتمع الذي يعلم هو الذي يُجهِّل ، و بهكذا مسار لن تقوم لأي شيء قائمة .


شكرا .